موسم سقوط الأوهام: الخليج العربي بين حسابات القوة ووقائع الحرب
لم تكن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة و إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل شكّلت لحظة كاشفة لانهيار منظومة كاملة من الافتراضات السياسية التي حكمت سلوك دول الخليج العربي طوال العقود الماضية.
فبالتوازي مع الحرب الاولى المدرجة اعلاه، اندلع عدوان إيراني واسع النطاق استهدف دول الخليج العربي قاطبة؛ الكويت، وقطر، والبحرين، والامارات العربية، وسلطنة عمان، والسعودية، وهو عدوان تم خلاله استهداف هذه الدول ومرافقها العامة وأعيانها المدنية، من جانب واحد، وعلى مدى ستة اسابيع كاملة.
هذه الحرب لم تغيّر موازين القوى فحسب، بل نزعت الغطاء عن خمسة أوهام استراتيجية راهنت عليها تلك الدول لضمان أمنها واستقرارها، فإذا بها تتحول إلى أهداف مباشرة ومساحة ملتهبة في قلب الصراع.
لقد سعت دول الخليج العربي، بدرجات متفاوتة، إلى تفادي الانخراط في أي مواجهة مفتوحة، انطلاقاً من إدراكها لحجم المخاطر التي قد تهدد بنيتها الاقتصادية وإستقرار مجتمعاتها. لكن المفارقة أن كل السياسات التي اعتمدتها لتجنّب الحرب، انتهت إلى نتيجة معاكسة تماماً.
1) أول هذه الأوهام تمثّل في خيار بناء علاقات ودية مع إيران، كما فعلت قطر وسلطنة عُمان. فقد اعتقدت هاتان الدولتان أن انتهاج سياسة خارجية مرنة، تراعي المصالح الإيرانية وتتفادى الصدام معها، يمكن أن يضمن لهما موقعاً حيادياً في أي نزاع إقليمي. غير أن الوقائع أثبتت أن إيران، عندما تدخل في صراع وجودي، لا تعترف بمنطق الحياد، بل تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها مسرحاً عملياتياً مفتوحاً، حيث تصبح المصالح الاستراتيجية أعلى من أي اعتبارات دبلوماسية. والادهى ان قطر قد تعرضت للقصف والعدوان من قبل اسرائيل وايران على السواء.
2) أما الوهم الثاني، فتمثل في الرهان على الحماية العسكرية الأجنبية. فقد احتضنت الكويت والبحرين وقطر قواعد عسكرية أميركية، فيما استندت الإمارات إلى شراكات دفاعية عسكرية مع فرنسا، وأقامت قطر قاعدة عسكرية تركية الى جانب قاعدة العديد الاميركية. هذا الانتشار العسكري الكثيف كان يفترض أن يشكّل مظلة ردع تحمي هذه الدول من أي استهداف. إلا أن الحرب كشفت محدودية هذه الحماية، إذ لم تمنع تلك القواعد من تعرّض أراضي هذه الدول لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية، ما يعني أن الوجود العسكري للقوى الكبرى، قد شكل ذريعة لايران كي تستهدفها، ولا يساوي هذا الوجود بالضرورة استعدادها للدخول في مواجهة مباشرة دفاعاً عن حلفائها.
3) الوهم الثالث تمثّل في خيار التطبيع مع إسرائيل، الذي تبنته كل من الإمارات والبحرين. فقد راهنت هذه الدول على أن بناء علاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل، وتنسيق سياسات مشتركة في اثيوبيا والسودان وارض الصومال، سيجعلها جزءاً من منظومة أمنية إقليمية تقودها تل أبيب، بما يضمن حمايتها من التهديد الإيراني. لكن الحرب أظهرت أن إسرائيل، المنخرطة في صراعها المباشر، تضع أولوياتها الأمنية الخاصة فوق أي التزامات تجاه شركائها، وأن رغبتها او حرصها فضلا عن قدرتها على توفير الحماية للآخرين محدودة في ظل تعرضها هي نفسها لضغوط عسكرية.
4) أما الوهم الرابع، فكان الاستثمار في العلاقة مع الولايات المتحدة، ليس فقط سياسياً بل اقتصادياً أيضاً. فقد ضخت السعودية وقطر والإمارات استثمارات هائلة في الاقتصاد الأميركي، بلغت تريليونات الدولارات، على أمل أن تتحول هذه الشراكات الاقتصادية إلى ضمانة استراتيجية تدفع واشنطن للدفاع عن أمن الخليج والى تبني خيارات استراتيجية متوازنة لا تنقاد بصورة عمياء وراء خيارات حكومة اليمين الصهيوني بقيادة نتن ياهو. إلا أن الحرب أثبتت أن الأستثمارات الاقتصادية، مهما بلغت، لا تتحول تلقائياً إلى التزام عسكري مباشر، وأن الولايات المتحدة تتصرف وفق حسابات أوسع تتجاوز مصالح حلفائها الإقليميين العرب.
5) الوهم الخامس تمثّل في التعويل على فائدة تنويع الشراكات الدولية، كما فعلت السعودية عبر تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا. هذا التوجه كان يهدف إلى خلق توازن في العلاقات الدولية، يخفف من الاعتماد على الولايات المتحدة ويوفر مظلة حماية متعددة الأطراف. غير أن الحرب أظهرت أن هذه القوى الكبرى، رغم مصالحها في المنطقة، ليست مستعدة للانخراط في صراع عسكري او القيام بمبادرات سياسية لحماية شركائها، بل تفضّل الحفاظ على مصالحها عبر تجنب التصعيد.
6) الأخطر من سقوط هذه الأوهام هو أن دول الخليج لم تنجح في تحييد نفسها عن الصراع، بل تحولت إلى أهداف مباشرة للهجمات الإيرانية. وتشير التقديرات إلى أن حجم الضربات الصاروخية والمسيرات التي استهدفت بها ايران، منشآت نفطية ومرافئ وبنى تحتية في دول الخليج العربي، فاق من حيث الكثافة والتنوع ما قامت بتوجيهه نحو إسرائيل، في كل مراحل الحرب، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الدول في معادلة الصراع، بوصفها شريان الطاقة العالمي.
7) هذه الحرب لم تكتفِ بإسقاط رهانات الأمن الخليجي، بل كشفت أيضاً عن خلل عميق في النظام الدولي. فهي حرب لا تحظى بدعم حقيقي من أي من القوى الكبرى أو التكتلات الدولية، إذ تخوضها إيران شبه معزولة إلا من أذرعها الإقليمية والميليشيات التابعة لها، فيما تقاتل الولايات المتحدة وإسرائيل دون غطاء دولي واسع أو إجماع سياسي. وهذا ما يجعلها حرباً خارجة عن قواعد النظام العالمي، وغير خاضعة لحسابات الاستقرار الاقتصادي العالمي. فقد أدت العمليات العسكرية إلى تهديد مباشر لسلاسل الإمداد العالمية، نتيجة اغلاق مضيق هرمز، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والغذاء، ورفعت منسوب القلق في أسواق النفط والغاز الدولية. ولذلك،نجحت القوى الكبرى والدول الاقليمية اامجنمعة حول الوساطة الباكستانية التركية المصرية في فرض مسار سياسي لاحتواء التصعيد، والوصول الى وقف اطلاق نار متبادل مقابل فتح مضيق هرمز ما يعكس قدرة النظام الاقليمي على إدارة الأزمات الكبرى.
8) الخلاصة السياسية
إن الدرس الأهم الذي تفرضه هذه الحرب هو أن الأمن في الخليج، وفي المنطقة عموماً، لا يمكن شراؤه بالاستثمارات، ولا ضمانه بالقواعد العسكرية الأجنبية، ولا تأمينه عبر التطبيع مع دولة العدو الاسرائيلي أو مراعاة التوازنات الدولية. لقد أثبتت الوقائع أن جميع هذه الأدوات، على أهميتها وفائدتها النسبية، تبقى قاصرة عندما يدخل الصراع مرحلة كسر الإرادات.
وعليه، فإن المعادلة الجديدة التي تفرض نفسها هي أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال بناء منظومة إقليمية مستقلة، قائمة على مفهوم الامن القومي العربي وعلى توازن القوى الذاتي في تحالف يضم مصر والسعودية ودول الخليج والاردن، وعلى تفاهمات مباشرة مع دول المنطقة كتركيا وباكستان. كما أن الاستمرار في سياسات المحاور والتبعية سيجعل من دول الخليج، وغيرها، ساحات مفتوحة لتصفية الصراعات الدولية.
بمعنى آخر، لقد انتهى زمن الأوهام؛ اوهام ايران واوهام جيرانها من العرب، فايران المثخنة بجراح حربها لم تعد قادرة على ممارسة نفوذها خارج حدودها، بعد ان بدأ زمن الحقائق الصلبة: ان سياسات الابتزاز وزعزعة استقرار المجتمعات لا يمكن ان تبني نفوذا دائما ومستقرا، وان من لا يمتلك قراره الأمني، ولا يملك أدوات الدفاع عن نفسه ضمن إطار إقليمي متماسك، سيبقى عرضة لأن يكون ميداناً لحروب الآخرين، مهما بلغت ثروته أو تعددت تحالفاته.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|