محليات

وقف النار لا يشمل لبنان: هل يتحول الليطاني إلى خط احتلال جديد؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

توقّف إطلاق النار بين إيران وأميركا وإسرائيل، وعلى الرغم من أنّ الاتفاق كان يُفترض أن يشمل لبنان، إلا أنّ إسرائيل لم تلتزم به، معتبرة ً أنّ لبنان خارج هذا الاتفاق. ولا تزال، حتى الساعة، مستمرة ً في هجماتها، معلنة أنّها لن تتوقف قبل تسليم سلاح “حزب الله”.

كما يواصل الجيش الإسرائيلي تهديد سكان منطقة الليطاني، على اعتبار أنّ العمليات والهجوم لا يزالان مستمرّين.

فلماذا الليطاني؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة في حال توقّف القتال بين “حزب الله” وإسرائيل؟

لم يكن نهر الليطاني يوماً مجرّد معلم جغرافي في جنوب لبنان، بل شكّل، منذ بدايات المشروع الصهيوني، هدفاً استراتيجياً ثابتاً في الفكر التوسّعي الإسرائيلي. فمنذ ما قبل قيام “دولة إسرائيل”، ظهر الليطاني في خرائط ومذكّرات الحركة الصهيونية كحدٍّ شمالي مرغوب لفلسطين المحتلة، ضمن تصوّر أوسع عبّرت عنه شعارات مثل «من الفرات إلى النيل»، التي عكست طموحات جيوسياسية تتجاوز الحدود القائمة.

ومع تعاقب الحروب والاجتياحات، عاد الليطاني ليظهر مراراً كخط عسكري وأمني واقتصادي تسعى إسرائيل إلى تثبيته، سواء باعتباره مصدراً مائياً حيوياً يعزّز مشاريعها التنموية، أو كحاجز دفاعي طبيعي يؤمّن عمقاً استراتيجياً لحدودها الشمالية. وتشير الوثائق التاريخية والمفاوضات التي أجرتها شخصيات صهيونية مع زعامات لبنانية قبل قيام الكيان إلى أنّ المسألة لم تكن جغرافية فقط، بل ارتبطت أيضاً بإعادة رسم الواقع الديموغرافي والسياسي للمنطقة الحدودية.

وفي قراءة تاريخية وجغرافية لمسألة نهر الليطاني، يؤكد اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أنّ الإصرار الإسرائيلي على هذا النهر لا يرتبط فقط بالواقع العسكري الحالي، بل يعود إلى جذور المشروع الصهيوني منذ مرحلة ما قبل قيام دولة إسرائيل.

ويشرح شحيتلي أنّ الوثائق العائدة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، تُظهر بوضوح أنّ اجتماعات ترسيم الحدود بين بريطانيا وفرنسا لم تكن منفصلة عن الضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية العالمية لتوسيع الحدود الشمالية لفلسطين. ويشير إلى أنّ النقاشات آنذاك تناولت أكثر من طرح جغرافي، حيث جرى البحث بدايةً في إمكانية وصول الحدود إلى نهر الزهراني، إلا أنّ هذا الخيار لم يستند إلى وثائق رسمية كافية ولم يحظَ بتوافق دولي.

وبحسب شحيتلي، انتقلت الحركة الصهيونية لاحقاً إلى التركيز على نهر الليطاني باعتباره الهدف الأكثر واقعية، نظراً لأهميته المائية الكبيرة وقدرته على تشكيل خط دفاع طبيعي يسهل تحصينه. ويضيف أنّ المراسلات السياسية بين القيادات الصهيونية ومسؤولين بريطانيين، إضافة إلى تدخلات دولية شاركت فيها الولايات المتحدة خلال مفاوضات ترسيم الحدود، عكست محاولة واضحة لإدخال الليطاني ضمن المجال الحيوي للدولة اليهودية المقترحة.

ويلفت شحيتلي إلى أنّ لجان ترسيم الحدود التي تشكّلت لاحقاً، وضمّت ممثلين فرنسيين وبريطانيين، تولّت تحديد الخط الحدودي ميدانياً والتفاهم مع سكان المناطق الحدودية، ما أدى في النهاية إلى تثبيت الحدود الحالية. إلا أنّ فكرة الليطاني بقيت، وفق تعبيره، حاضرة في الذهنية الاستراتيجية الإسرائيلية باعتباره «الحدّ الشمالي الطبيعي» الذي لم يتحقق سياسياً، لكنه ظل هدفاً ثابتاً في الحسابات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

ويقول اللواء شحيتلي إنّ ما يجري ميدانياً يدلّ على أنّ الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك نحو تثبيت احتلال فعلي للمنطقة والسيطرة عليها بالنار. ويوضح أنّ إسرائيل قد تبقى متمركزة في المواقع التي وصلت إليها، لتطرح على اللبنانيين معادلة واضحة مفادها أنّ البحث في الانسحاب لن يتم إلا بعد نزع سلاح حزب الله.

ويضيف شحيتلي أنّ هذا الواقع يعني عملياً دخول لبنان في حالة احتلال، إذ لا يمكن المطالبة بتسليم السلاح في ظل وجود قوات احتلال على الأرض، لأنّ الاحتلال بحد ذاته يجعل مسألة نزع السلاح شبه مستحيلة. وضمن هذا السياق، قد تبرّر إسرائيل بقاءها بحجة حماية مستوطناتها الشمالية، ما يُبقي الملف معلّقاً ويمنع الوصول إلى تسوية حقيقية.

ويرى أنّ هذا المسار قد يفتح الباب أمام أزمة داخلية لبنانية، سياسية وربما أمنية، تتمحور حول مسألة نزع السلاح، في وقت تكون فيه إسرائيل قد فرضت واقعاً ميدانياً جديداً عبر السيطرة على المناطق التي تتمركز فيها حالياً، وإفراغها من سكانها وجعلها مناطق غير قابلة للحياة.

ويحذّر شحيتلي من أنّ هذا الواقع قد يسمح لإسرائيل بالتوسّع تدريجياً داخل تلك المناطق، سواء عبر مشاريع اقتصادية كإقامة مصانع، وهو الاحتمال الأرجح برأيه، أو من خلال إنشاء مستوطنات في مراحل لاحقة، فيما ينشغل الداخل اللبناني بسجالات سياسية حول مسألة السلاح.

ويؤكد أنّ خطورة المرحلة تكمن في احتمال إعلان وقف إطلاق نار من دون التوصل إلى حل سياسي شامل، لأنّ وقف النار من دون انسحاب إسرائيلي كامل سيكرّس واقع الاحتلال، ويجعل نزع السلاح أمراً غير قابل للتحقق، ما يعني إبقاء الأزمة مفتوحة.

ويشدد شحيتلي على أنّ الحل يجب أن يقوم على ثلاثية متكاملة تشمل وقفاً لإطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً، ومعالجة ملف سلاح حزب الله ضمن تسوية سياسية شاملة، مشيراً إلى أنّ تحقيق هذه العناصر مجتمعة فقط يمكن أن يفتح الباب أمام حل فعلي ومستدام.

ويختم بالقول إنّ أي وقف لإطلاق النار يُبقي الوضع الميداني على حاله سيعني أنّ اللبنانيين دفعوا أثمان التهجير والدمار من دون تغيير حقيقي، بل قد يؤدي إلى ترسيخ احتلال أوسع وأكثر ثباتاً.

وبعيداً عن مسألة الليطاني، يتوقّع شحيتلي أن يطول المشهد الحالي، حيث قد تبقى إسرائيل في مواقعها وتربط انسحابها بنزع السلاح، فيما يجد اللبنانيون أنفسهم عالقين بين خيارات شديدة التعقيد.

فهل سنشهد في الساعات المقبلة ضغطاً دولياً لشمول لبنان في وقف إطلاق النار؟ أم أنّ السيناريو الذي طرحه اللواء شحيتلي سيكون الأقرب إلى الواقع؟ وهل ستعود إيران إلى فتح الجبهة مع العدو، أم ستلتزم الحياد إلى حين انتهاء مسار التفاوض؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا