عربي ودولي

مليون مقاتل و"فدائيّون"... كيف تستعدّ إيران لمعركة البرّ؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في الحروب التقليدية، يبدأ التحضير للهجوم أو الدفاع بعد اتخاذ القرار. في الحالة الإيرانية، يبدو أن التحضير يجري قبل ذلك بكثير: بناء بيئة قتال تجعل أي هجوم بري خياراً مكلفاً منذ مراحله الأولى.

المعطيات، حتى الآن، لا تشير إلى أن طهران تتوقع غزواً شاملاً على نمط العراق 2003، بل إلى سيناريوات أكثر تحديداً: إنزال بحري، توغل محدود على الساحل، السيطرة على جزيرة خرج، أو عمليات تستهدف منشآت استراتيجية، بينها منشآت نووية أو نقاط تحكم بالملاحة. في المقابل، لا تستعد إيران لمعركة تقليدية، بل لإعادة تشكيلها منذ بدايتها عبر تحويلها إلى استنزاف متعدد المستويات، حيث تتداخل الجغرافيا مع المجتمع، والبحر مع البر، والداخل مع الإقليم، وتُستخدم كل طبقة لتعطيل الطبقة التي تليها.

البرّ كأداة قلب المعادلة
التحول الأكثر دلالة في الخطاب الإيراني ليس في مستوى التهديد، بل في طبيعة الساحة التي يجري التركيز عليها. فالمتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية العميد أبو الفضل شكارجي، لم يكتفِ بالتحذير من الغزو، بل قدّم الحرب البرية بوصفها المجال الذي تنتظر فيه طهران المواجهة، مؤكداً أن الجيش "يعدّ اللحظات" لتدمير أي قوة أميركية تدخل الأرض، وأن مصيرها سيكون "الأسر والتقطيع والاختفاء".
الأهم من ذلك أنه شدد على أن "نقطة القوة" الإيرانية تكمن في هذا النوع من القتال، في مقابل حرب "بعيدة المدى" يفرضها الخصم لتفادي الاشتباك المباشر، وهو توصيف يعكس إدراكاً إيرانياً للفجوة في التصدي للقوة الجوية، مقابل محاولة تعويضها في الاشتباك القريب حيث تتراجع أفضلية التكنولوجيا لمصلحة البيئة.
هذا التوصيف يكتسب وزناً إضافياً عندما يصدر عن قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي توجيه عملي للوحدات بـ"ضرورة مراقبة تحركات العدو وأفعاله بدقة متناهية وحذر شديد لحظة بلحظة، وتنفيذ خطط استراتيجية لمواجهة أساليب الهجوم"، وهذا يعني التعامل مع أسوأ السيناريوات كقاعدة، لا كاحتمال، مع تأكيد أن أي جندي معادٍ "لا يجب أن ينجو" في حال تنفيذ هجوم بري. هنا لا يعود الحديث مجرد خطاب ردعي، بل يتحول إلى تصور عملياتي قائم على استقبال الخصم في بيئة قتال مُحضّرة مسبقاً، حيث يكون الانسحاب أصعب من الدخول.

خرج... نقطة الاشتباك الأكثر حساسية
ضمن هذا التصور، تبرز جزيرة خرج بوصفها العقدة الأكثر حساسية. فهي ليست فقط مركزاً لنحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، بل أيضاً هدفاً محتملاً في أي خطة أميركية تسعى إلى الضغط الاقتصادي أو فرض وقائع ميدانية محدودة، سواء عبر السيطرة الموقتة أو تحويلها إلى ورقة تفاوض لدفع طهران إلى فتح مضيق هرمز.
هذا الاحتمال دفع إيران إلى إعادة تعريف الجزيرة بالكامل. من منشأة طاقة إلى جبهة متقدمة، مع بنية دفاعية لا تقوم على عنصر واحد، بل على تشابك طبقات. وتشير المعطيات إلى تحصين محيطها بوسائل تعيق الاقتراب البحري وتقيّد حركة القطع العسكرية، بالتوازي مع تجهيز الشواطئ بوسائل تعرقل تقدم القوات عند الإنزال، سواء عبر حواجز أو عبوات ناسفة أو تجهيزات ميدانية، إضافة إلى نشر صواريخ موجهة مضادة للسفن ومسيّرات قصيرة المدى قادرة على استهداف القطع البحرية أو القوات التي تنجح في الوصول إلى البر. ويُضاف إلى ذلك حديث عن مواقع إطلاق متنقلة وأنفاق تحصينية تسمح بالاستمرار في القتال حتى تحت القصف.
المعادلة التي تبنيها إيران هنا دقيقة. قد يكون الوصول إلى خرج ممكناً، لكن تحويلها إلى قاعدة مستقرة سيكون مكلفاً إلى حد قد يُفقد العملية معناها.

البحر كامتداد للبرّ
إذا كانت خرج تمثل نقطة الاشتباك، فإن البحر هو المجال الذي يُفترض أن يُمنع فيه هذا الاشتباك من الأساس. هنا تأخذ مسألة الألغام البحرية بعداً أوسع، يتجاوز محيط الجزيرة إلى كامل مسرح العمليات.
فالتقارير التي تحدثت عن نشر ألغام في مضيق هرمز، حتى مع غياب تأكيد حاسم لها ونفيها من قبل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، تتكامل مع تهديدات رسمية أوسع بنقل المعركة إلى كامل الخليج، لا بوصفه ممراً، بل كساحة. في هذا السياق، أشارت وكالة "فارس" إلى أن أي استهداف للسواحل أو الجزر الإيرانية "سيقود إلى تلغيم طرق الملاحة باستخدام ألغام متعددة، بينها ألغام عائمة يمكن إطلاقها من الشاطئ"، ما يعني أن التهديد لا يقتصر على الألغام البحرية المزروعة مسبقاً، بل يشمل القدرة على إعادة نشر الألغام خلال العمليات.
هذا التوجه لا يهدف فقط إلى تعطيل الملاحة، بل إلى خلق بيئة تجعل أي عملية برمائية محفوفة بالمخاطر منذ لحظة الانطلاق، حيث تصبح خطوط الإمداد مهددة، وحركة القطع البحرية مقيدة، وإمكانية تثبيت قوات على الشاطئ مرتبطة بقدرتها على الصمود في بيئة غير مستقرة لوجستياً.

التعبئة الشاملة... مليون مقاتل و"فدائيون"
لكن الاستعداد الإيراني لا يتوقف عند الجغرافيا. الطبقة الأكثر تعقيداً تظهر في كيفية التعامل مع المجتمع نفسه كجزء من المعادلة القتالية. فالتقارير التي تحدثت عن تنظيم أعداد كبيرة من المقاتلين، والتي نشرتها وكالة "تسنيم"، لا تقف عند حدود الرقم، بل تعكس تصوراً أوسع يقوم على توسيع قاعدة القتال إلى ما يتجاوز الجيش النظامي.
الحديث عن أكثر من مليون مقاتل محتمل لا يمكن التحقق منه مستقلاً، لكنه يتقاطع مع بنية معروفة داخل إيران تقوم على دمج ثلاث طبقات رئيسية: الجيش النظامي، والحرس الثوري، وقوات الباسيج. هذا الدمج لا يُطرح كترتيب تنظيمي فقط، بل كآلية لخلق تدرج في القتال، حيث تتولى القوات النظامية المواجهة المباشرة، بينما تُستخدم التشكيلات المرتبطة بالحرس والباسيج لتوسيع نطاق الاشتباك، وتأمين العمق، وفرض احتكاك مستمر مع أي قوة متدخلة.
ضمن هذا السياق، لا يُفهم الرقم كحجم قوة جاهزة للنشر دفعة واحدة، بل كإشارة إلى إمكان تعبئة بشرية واسعة يمكن استدعاؤها تدريجياً، ما يعني أن أي توغل لن يواجه قوة ثابتة، بل بيئة تتسع مع الوقت.
هذا الأمر يتقاطع مع إطلاق حملة تعبئة وطنية تحت اسم "Janfada"، وهي كلمة فارسية تعني "الفداء بالنفس"، وهدفها تجنيد "فدائيين" لمواجهة القوات البرية الأميركية. وقد جرى تعميم هذه الحملة عبر رسائل نصية مباشرة إلى المواطنين، تضمنت دعوات واضحة إلى "إعلان الاستعداد للدفاع عن أراضي البلاد" في مواجهة تهديدات تستهدف الجزر والحدود. هذا الاستخدام للرسائل النصية ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس انتقال التعبئة من مستوى الخطاب الجماهيري إلى الاتصال الفردي المباشر، فيصبح كل مواطن مخاطباً شخصياً.
بهذا المعنى، لا تتحول التعبئة إلى زيادة عدد المقاتلين فقط، بل إلى تحويل المجتمع إلى طبقة إضافية في بنية القتال، تعمل بالتوازي مع القوات النظامية.

القاصرون في المنظومة
ويزداد هذا البعد حساسية مع ما أوردته تقارير منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، التي لم تكتفِ بالإشارة إلى تجنيد قاصرين بدءاً من سن 12 عاماً، بل قدّمت تفاصيل دقيقة حيال كيفية استخدامهم. فهؤلاء يُدرجون في مهام تشمل الطهو، توزيع المواد الغذائية، نقل المعدات، التعامل مع المنازل المتضررة، إضافة إلى العمل في نقاط التفتيش والمشاركة في دوريات أمنية وحتى استخبارية محلية.
وجود مواد مصورة تُظهر بعض هؤلاء يحملون بنادق خفيفة يشير إلى أن دورهم لا يقتصر على الدعم الخلفي، بل يدخل في إطار توسيع البيئة الأمنية الميدانية. هذا لا يعني تحويلهم إلى قوة قتالية نظامية، لكنه يعني أن أي قوة تدخل ستواجه مجتمعاً يشارك في ضبط الأمن وتنظيم الحركة على الأرض، لا مجرد كتلة مدنية منفصلة عن القتال.

الجبهة الداخلية... التصدي لسيناريو الفوضى
بالتوازي مع التعبئة، يظهر تشدد واضح في إدارة الداخل. التقارير التي تحدثت عن انتشار قوات أمن ملثمة وإقامة نقاط تفتيش إضافية في مدن مثل أصفهان وغيرها، لا تعكس فقط حالة تأهب، بل تشير إلى تحضير موازٍ لسيناريوات اختراق داخلي أو فوضى مرافقة لأي تصعيد.
هذه الإجراءات تشمل التدقيق في الهويات، مراقبة الحركة، وتعزيز الوجود الأمني في نقاط حساسة، ما يعكس هدفين مترابطين: منع أي نشاط معادٍ داخل المدن، وضبط الإمداد والحركة في حال تحوّل القتال إلى حالة ممتدة. بذلك، لا يبقى الداخل مساحة خلفية، بل يتحول إلى جزء من مسرح العمليات، يخضع لإدارة استباقية لا رد فعل لاحق.

توسيع المواجهة إقليمياً
ولا يمكن فصل الاستعداد البري عن البعد الإقليمي. فإيران لا تتعامل مع أي توغل محتمل بوصفه معركة داخل حدودها فقط، بل كتصعيد إضافي فوق مسار قائم أصلاً، يتوزع على أكثر من ساحة منذ بداية الحرب.
فالتصعيد باتجاه إسرائيل بالصواريخ والمسيّرات من إيران أو لبنان أو اليمن ليس احتمالاً، بل مسار مفتوح يمكن تكثيفه أو توسيعه. وكذلك الحال بالنسبة إلى منشآت الطاقة في الخليج، التي دخلت بالفعل في دائرة الاستهداف أو التهديد الإيراني، ما يجعل أي تصعيد إضافي مرتبطاً بمستوى الضرر وحجمه.
ولا يتوقف الأمر عند الخليج. فالمؤشرات تشير إلى أن البحر الأحمر يمكن أن يدخل بدوره على خط التصعيد، سواء عبر تهديد حركة السفن أو توسيع نطاق المخاطر في باب المندب من قبل الحوثيين، بالتوازي مع إغلاق مضيق هرمز بنسبة 95% منذ بدء الحرب، ما يربط بين مسرحين بحريين في آن واحد. هذا الربط لا يهدف فقط إلى توسيع جغرافيا الحرب، بل إلى تشتيت القدرة على الاستجابة، بحيث لا تبقى المواجهة مركّزة في نقطة واحدة يمكن احتواؤها.
بهذا المعنى، يصبح الهجوم البري، إن حصل، عاملاً مضاعفاً لتصعيد قائم، وتوسيعه نحو جبهات جديدة، ما يرفع كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويجعل التحكم بإيقاعه أكثر تعقيداً.

بيئة قتال واستنزاف
في لحظة لا تزال فيها واشنطن تتردد في حسم خيار إدخال قوات إلى الأرض، تتصرف طهران على أساس أن القرار اتُّخذ فعلاً، وأن ما سيحدد مسار الحرب ليس توقيت الهجوم، بل البيئة التي سيقع فيها. لذلك، لا يجري التحضير لصدّ توغل محتمل، بل لصناعة واقع يجعل أي قوة تدخل، ولو لساعات، محاصرة داخل منظومة استنزاف يصعب الخروج منها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا