كريم خياط فوق المحاسبة!!
انتهى ملف شركة MEP، بمقاربة متوقعة هي "حفظ الملف". مرت القطبة المخفية ومن خيّطها إرضاءً لطالب خدمة. والنتيجة أن الدولة التي اشتكت على نصّاب هي الدولة ذاتها التي حمته.
القصة أن مؤسسة كهرباء لبنان، عززت شكواها بمعطيات تقنية ووثائق تثبت فساد القيّمين على شركة MEP كريم خياط ويحيى مولود وغيرهما، وجمعت عبر ممثلها المدير العام كمال حايك، شهادات قاطعة أهمها العائدة لشركة MAN Energy Solutions الألمانية وحاليًا اسمها الجديد Everllence، تؤكد فيها بمراسلات رسمية، أن المستند المنسوب إليها غير صادر عنها، وأن التوقيع الذي قدّمه خياط للدولة باسمها مزوّر، ما ينفي إشرافها على أعمال الصيانة كما ادّعى خياط. وبالتالي، تسقط فرضية تنفيذ الصيانة بإشراف الشركة المصنعة، كما تُفقد الادعاءات باستخدام قطع أصلية في معملي الزوق والجية.
تقاطع نادر لا يمكن القفز عنه
من موقع الحرص على المال العام في بلد تحكمه الانقسامات، نادرًا ما تتقاطع إفادات جهات مختلفة سياسيًا ومؤسساتيًا عند خلاصة واحدة. لكن في ملف MEP، هذا ما حصل تحديدًا. ست جهات، مختلفة في مواقعها وخلفياتها، منها المحليّ ومنها الدولي، انتهت إلى خلاصة واحدة: وجود وقائع جدية تؤكد نصب الخياط للمال العام، عبر فوترة وهمية، وتزوير مستندات وتزوير توقيع، وإلحاق ضرر عمدًا بمعدات مملوكة للدولة. نعددها للرأي العام:
1- الشركة الألمانية MAN، التي انتحلت صفتها MEP، نفت صراحة صحة مستند منسوب إليها وقالت حرفيًا إن التوقيع الذي قدّمه خياط للدولة اللبنانية لا يعود لـ "Olaf Gunia" ولا التوقيع الثاني يعود لـ "Dan Zander"، وإن هناك من انتحل صفتهما، واتخذت إجراءات داخلية وصلت إلى صرف موظف لديها يُدعى عبدالله قزحيا على خلفية التأكد من فعل التزوير الذي كلّف الدولة اللبنانية نحو 10 ملايين دولار.
وتُظهر حيثيات قرار حفظ الملف، أنه استند، في أكثر من موضع (نحو 17 مرة)، إلى مراسلات تعود إلى قزحيا نفسه، الموظف المطرود، والذي تبيّن أنه لم يكن يشغل موقعًا رسميًا ثابتًا داخل الشركة الألمانية عند بعض هذه المراسلات. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذه المعطيات وكأنها مرجعية تقنية يمكن البناء عليها، حتى أن بعضها تمّ تداوله عبر وسائل غير رسمية كـ "واتساب". لم تُعتبر مراسلات قزحيا المطرود كافية لإثبات جرم تزوير MEP، فأسقط الوصف الجزائي وحفظ الملف من هذه الناحية. لكن في المقابل، لم تُنفَ هذه الوقائع، ولا عولجت الإشكالية الأساسية: كيف يمكن لملف يرتبط بالمال العام أن يستند، ولو جزئيًا، إلى معلومات صادرة عن شخص غير موثوق، خارج الإطار المؤسسي، وبوسائل غير رسمية؟
أما قرار حفظ الملف، وإن انتهى إلى عدم توافر عناصر الجرم الجزائي للتزوير، أورد في حيثياته معطيات تفصيلية تُظهر بوضوح أن المستندات الأساسية في الملف لم تتّسم بالثبات أو الاتساق، بل شابها تضارب في التواريخ، وتفاوت في مضمون التقارير الفنية، وتصحيحات لاحقة طاولت وثائق يُفترض أن تكون نهائية وحاسمة. هذا الواقع، بحدّ ذاته، يُشكّل خطرًا جوهريًا على سلامة الإنفاق العام وعلى صورة العهد الذي أعلن مكافحة الفساد أمام المجتمع الدولي واللبنانيين. والأخطر أن القرار نفسه حصر نطاقه في مسألة التزوير بالمعنى الضيّق، فيما يترك خارج البحث مسائل أساسية تتصل بتقاطع الإفادات المحلية والدولية وبسوء تنفيذ العقد والغش فيه، وطبيعة الأعمال المنجزة التي أثبتت تلاعب MEP بآليات الصيانة، وهي بطبيعتها عناصر ذات أثر مالي مباشر على خزينة الدولة.
2- مدير عام مؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك تقدّم بإخبار رسمي يتضمن ادعاءات واضحة بالتزوير.
3- تقارير تقنية صادرة عن جهات دولية معتمدة، أبرزها EDF الفرنسية، تحدثت عن خلل في أعمال الصيانة وهدر وسرقة.
4- إفادات داخلية، بينها شهادة موظف MEP خالد قشوع، أشارت إلى استخدام قطع غير مطابقة.
5- وزراء طاقة متعاقبون، من ندى البستاني التي فجّرت الملف وأعلنت مرارًا أنها جاهزة للاستماع لإفادتها، إلى الوزير الحالي جو صدّي الذي ثبّت المعطيات الرسمية، أكدوا وجود شبهات جدية تستدعي التحقيق.
أما الجهة الأخيرة، فكانت الإعلام نفسه، ممثلاً بـ MTV، التي لم تكتفِ بالتحقيق الاستقصائي الذي أجراه صحافيوها ومحاميها مارك حبقة، بل تقدّمت بدعوى قضائية منذ نحو عام و3 أشهر، من دون أن يُتخذ فيها أي إجراء يُذكر.
وقائع دامغة بلا محاسبة... وأسئلة مشروعة
جوهر النقاش اليوم لا يتصل بنوايا القضاء ولا بشخص أي قاض ولا بنوايا "نداء الوطن" و "MTV". المعضلة الأساس تتجلى بمنهجية التعامل مع ملف بهذا التعقيد. ففي القواعد القانونية المستقرة، لا سيما في القضايا التقنية المالية، لا يمكن حسم النتائج من دون تعيين خبرة تقنية مستقلة والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية والتحقق من المستندات المنشورة من مصادرها الأصلية. وانطلاقًا من حق المواطنين في الوصول للمعلومات، فإن المطلوب من القضاء إبراز الإفادات، والتقارير، والمستندات التي تقدم بها كل من مؤسسة كهرباء لبنان وممثلها كمال حايك ومحاميها زياد الفاخوري. ومن المفيد الذكر أن محركين عكسيين في معملي الزوق والجية "انكسرا" لعدم تطابقها مع القطع الأصلية، أما المحركات المتبقية فقابلة للكسر كذلك وقد دفعت الدولة اللبنانية لشركة MEP ملايين الدولارات من المال العام مقابل صيانة غير صالحة نفذتها MEP وشهد على التلاعب فيها موظف MEP خالد قشوع الذي تقدّم بإخبار قضائي لم يُتخذ أي إجراء فيه كذلك.
ما توافر من معطيات يشير إلى أن مسارات جوهرية لم تُستنفد بالكامل في إطار التحقيق بأمر تلاعب MEP وسرقتها للمال العام. لا بل إن الاكتفاء بالاستماع إلى مقدّم الإخبار، من دون استدعاء الجهات التي أثارت الشبهات، من شركات دولية إلى مسؤولين رسميين ووزراء وموظفين كاشفي فساد لدى MEP يطرح إشكالية إجرائية بحتة، لا سياسية.
فلماذا لم يتم تعيين خبير تقني مالي مستقل؟ ولمَ لم يتم الاستماع إلى MAN وEDF؟ وهل تم التدقيق بالمستندات المتنازع عليها لدى مصادرها الأصلية؟ كلها أسئلة وعناصر تحقيق معيارية، للأسف، لم تتوافر.
رفضًا لتسطيح الملف
من الضروري، قبل أي مقاربة، تفكيك الرواية السطحية التي تحاول تصوير قضية فساد شركة MEP والخياط، كسجال بين الإعلام والقضاء، أو كاشتباك بين مؤسسات إعلامية متنافسة. والوقائع تشير إلى ما هو أبعد بكثير، ونحن أمام ملف سرقة للمال العام تقدّمت به مؤسسة كهرباء لبنان، أي جهة رسمية تمثل الدولة نفسها.
بمعنى أوضح، الدولة لم تكن موضوع الاتهام فحسب، بل كانت أيضًا الجهة المُبلِّغة، وهو ما ينقل الملف من مستوى نزاع تقني إلى مستوى مساءلة سيادية. وهنا تحديدًا تسقط، تلقائيًا، كل محاولات توصيف القضية كحملة إعلامية أطلقتها MTV و "نداء الوطن".
قرار الحفظ لا يُنهي النقاش الإعلامي
في الفقه القانوني، قرار حفظ الملف لا يعني تبرئة كريم خياط ويحيى مولود، إذ يعكس تقديرًا أوليًا بعدم كفاية الأدلة أو بعدم جدوى الملاحقة في المرحلة الراهنة، لسبب مجهول للبنانيين دافعي الضرائب المنهوبين لصالح شركة MEP. لكن حين تكون الأدلة نفسها موضع جدل، وعندما تتقاطع معطيات متعددة من مصادر مستقلة أهمها الدولي، يصبح القرار موضع نقاش مشروع. وهنا تحديدًا يتقدّم دور الإعلام، كجزء من منظومة الرقابة على المال العام لا كخصم للقضاء الذي نحتكم إليه.
وإننا إذ نؤكد طرح الأسئلة بعيدًا من الشك بالسلطة القضائية، نجتهد في كشف المعطيات وتقديمها له. فهل نحن أمام دولة انهت تحقيقاتها فعلًا، أم أمام ملف أُقفل قبل أن يُفتح على مصراعيه؟
أسلوب واحد: إرضاء بالشكل وتعطيل بالمضمون
وفي السياق "التخديري" نفسه، يتكرّس تكرار نمط إدارة الدولة بالخطوات الناقصة. وما ملف تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان إلا إثبات على ذلك. فالتعيين، لا يزال عالقًا من دون صدور المرسوم الخاص به، بذريعة تجاوز أحد الأعضاء السن القانونية، علمًا أنه عند تعيينه لم يكن قد بلغ سن التقاعد. حجج إجرائية لا تشكل بمضمونها أي عائق قانوني فعلي، في ظل الإبقاء على التعيينات بصيغة شكلية تفتقر إلى النفاذ الكامل.
مريم مجدولين اللحام - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|