إقتصاد

حرب المنطقة وأهمية الطاقة المتجددة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

كتب العميد الدكتور غازي محمود :

فيما كانت التحديات المتعلقة بالتغير المناخي تُشكل المحفز الأساسي للاستثمار في الطاقة المتجددة خلال العقدين الماضيين، برز في الآونة الأخيرة تحدٍ جديد لا يقل أهمية، يتمثل في أمن الطاقة وضمان استمرارية إمداداتها. ويأتي هذا التحدي في سياق تصاعد التوترات الجيوسياسية، لا سيما الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي دخلت شهرها الثاني، مخلّفةً تداعيات عميقة على إمدادات الطاقة العالمية. 

مضيق هرمز والأمن الطاقوي
وفي هذا الإطار، أدى فرض إيران قيودًا على الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره أكثر من 20% من إمدادات النفط العالمية، إلى تزايد المخاطر التي تهدد أمن الطاقة. الأمر الذي اعتبره عدد من المحللين الغربيين بمثابة حصار اقتصادي فعلي على دول الخليج العربية المنتجة للنفط. مما يجعل تداعيات هذا الحصار لا تقتصر على الدول المنتجة، بل تتسع لتطال الاقتصاد العالمي بأسره وتعرضه لهزات بنيوية حادة.  
وقد ذهب بعض المحللين إلى مقارنة هذه الأزمة بأزمة النفط التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما الحظر النفطي العربي عام 1973 الذي استهدف الولايات المتحدة ودولًا غربية أخرى على خلفية دعمها لإسرائيل في حربها على مصر وسوريا. إلا أن المؤشرات الراهنة تشير إلى أن الأزمة الحالية قد تتسم بدرجة أشد وطأة وأكثر تعقيدًا، في ظل التحولات العميقة التي طرأت على بنية الاقتصاد العالمي. 

البحث عن مصادر بديلة
وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، إن اضطراب الإمدادات وتنامي المخاطر التي تهدد استيراد النفط والغاز من المنطقة، التي شكلت تقليديًا مصدرًا رئيسيًا لتغذية أسواق الدول الأوروبية والآسيوية، دفع هذه الدول إلى إعادة النظر في مزيجها الطاقوي، والتوجه نحو بدائل متعددة، من بينها الفحم والطاقة المتجددة (الشمسية، والهوائية) والهيدروجين فضلاً عن الطاقة النووية. وذلك من أجل المحافظة على استقرار القطاع الصناعي والقدرة على التخطيط طويل الأمد.
وثمة توجه لدى العديد من الدول الأوروبية والآسيوية إلى زيادة استثماراتها في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى البطاريات، لكنها قد تزيد أيضًا من الاعتماد على الفحم، وهو الوقود الأحفوري منخفض التكلفة إلا أنه ملوث للبيئة، الأمر الذي يُنمي المخاوف من التغير المناخي. 

سباق محموم بين التقنيات
في المقابل، وفي ظل تزايد التحديات المتعلقة بتغير المناخ وتزايد الحاجة إلى الانتقال إلى مصادر طاقة أكثر استدامة، تشهد الساحة العالمية تنافسًا محمومًا بين مختلف تقنيات إنتاج الطاقة. وتبرز في هذا السياق خيارات متعددة، من بينها الاندماج النووي، رغم كونه لا يزال في طور التطوير، والهيدروجين إلى جانب الغاز الطبيعي بوصفها مصادر متاحة لتوليد الطاقة وقابلة للتطوير في العقد القادم. 
وتخضع هذه التقنيات لنقاشات واسعة ومعمقة لتحديد مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والمتطلبات البيئية، فضلًا عن دورها في تعزيز أمن الطاقة من خلال تعويض النقص الناتج عن عدم استمرارية الإمدادات في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
وتجدر الإشارة إلى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح نمتا بوتيرة سريعة خلال النصف الأول من عام 2025، مما مكنهما من تغطية كامل الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء. مما سمح للطاقة المتجددة بتجاوز الفحم لأول مرة كمصدر رئيسي لتوليد الكهرباء على مستوى العالم، وفق تقرير لمركز الأبحاث "إمبر إنرجي" (Ember Energy) المختص في شؤون الطاقة، صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2025.

مؤتمر هيوستن ومزيج الطاقة المرن
وفي إطار مواجهة التطورات التي تشهدها إمدادات النفط والغاز، انعقد مؤتمر "سيرا ويك للطاقة" (CERAWeek)، خلال الفترة من 23 إلى 27 مارس 2026، ضمن أسبوع سيرا السنوي في مدينة هيوستن الأميركية، والذي تنظمه شركة "إس آند بي غلوبال" (S&P Global)، بمشاركة واسعة من قادة قطاع الطاقة وصناع القرار والمسؤولين التنفيذيين، لتقييم التداعيات الجيوسياسية للأزمة الراهنة على أسواق الطاقة العالمية واستشراف مسارات التعامل معها.
وقد أبرزت النقاشات التحول المتسارع في أولويات السياسات الطاقوية، حيث تقدم أمن الإمدادات واستقرار الأسواق على الأهداف طويلة الأمد المرتبطة بالتغير المناخي. وفي هذا السياق، أشار عدد من المشاركين إلى أن الاعتماد المفرط على سلاسل إمداد مركزة جغرافيًا، ولا سيما في مناطق التوتر، يعيد طرح مسألة تنويع مصادر الطاقة ومساراتها بوصفها ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الوطنية والدولية.
وعلى الرغم من الاهتمام الذي تبديه دول العالم في تأمين تدفقات الوقود الأحفوري، أكد المؤتمر في الوقت ذاته أن الطاقة المتجددة لم تفقد مكانتها الاستراتيجية، بل أصبحت تُطرح كجزء من معادلة الأمن الطاقوي، لا مجرد أداة للحد من التغير المناخي. فقد شدّد المتحدثون على أن الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة، كالشمس والرياح والهيدروجين الأخضر، يُسهم في تقليص الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ويعزز استقلالية الدول في مواجهة الصدمات الخارجية.
كما تناولت جلسات المؤتمر التحديات المرتبطة بتوسيع نطاق الطاقة المتجددة، ولا سيما محدودية البنية التحتية للتخزين، وتقلبات الإنتاج، والحاجة إلى تحديث الشبكات الكهربائية. وفي هذا الإطار، طُرحت حلول متكاملة تجمع بين الطاقة التقليدية والمتجددة، عبر ما يُعرف بمقاربات "المزيج الطاقوي المرن" (Flexible Energy Mix)، الذي يوازن بين متطلبات الاستدامة وضمان استمرارية الإمدادات. 

الأمن الطاقوي والأمن القومي 
يتبين مما تقدم أن الأزمة التي تسببت بها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم تُفضِ إلى تراجع مسار التحول الطاقوي بقدر ما أعادت صياغته في معادلة جديدة، بحيث لم يعد الانتقال إلى الطاقة المتجددة خيارًا بيئيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن القومي للدول وأولوية استقرارها الاقتصادي، وهو ما يعزّز فرضية تحول مركز الثقل من "الاستدامة" إلى "الأمن الطاقوي" بوصفه المحرك الرئيسي لسياسات الطاقة في المرحلة الراهنة.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا