بين الضاحية والجنوب: الدولة أمام اختبار وجودي
كتب وليد اللبيان :
احتدم الصراع في لبنان مع بدء انحسار العملية العسكرية في إيران، بعد تحقيق الولايات المتحدة الأميركية أهدافها المركّزة، والانتظار الآن لتغيير شامل في الداخل الإيراني، إمّا عبر المفاوضات أو عبر ضربة قاضية. ويبقى لبنان خارج حسابات التفاوض، إذ يُطلب منه العمل لفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها، لا استجداء الحرب للقيام بذلك.
وفي الداخل كما في الإقليم والمجتمع الدولي، يُجمع الجميع على تحديد سبب الحرب في لبنان، لكن يبقى الخلاف حول كيفية معالجته. وفي حال تُرك الحل للدول الخارجية أو الإقليمية، سنكون أمام خيارات عديدة، وأهمها اجتياح بري وسيطرة على الأراضي اللبنانية، وبالتالي تمهيد الطريق أمام تكتيكات جديدة للمقاومة، وسببًا لبقائها أو لولادة غيرها. فبنظرة سريعة إلى التاريخ اللبناني، نرى أن كل من يجتاح يبقى ويحتل، في انتظار لحظة سياسية حاسمة تُخرجه من وطننا، فالانتداب الفرنسي والاحتلالان الإسرائيلي والسوري خير مثال على تكتيكات مختلفة في طريقة المقاومة، لم تنجح وحدها في استعادة سيادة الدولة اللبنانية.
وبعد أن استنفدت الدولة كل الفرص التي وُضعت أمامها، تبقى الاختصاصي الوحيد القادر على التعامل مع مرضها، ليس لأنها تملك الوسائل المطلوبة، بل لمعرفتها بخطورة واقعها التاريخي والجغرافي، بالإضافة إلى الانقسامات العمودية في مجتمعها. فترك زمام المبادرة لدول أخرى قد يؤدي إلى تشوهات عديدة، وحتى إلى الموت أثناء الجراحة.
ومن هنا، يساعد تحديد الواقع انطلاقًا من مفهوم الدولة في إنهاء حالة الحرب، فأولوية الدولة هي الحفاظ على مواطنيها ومؤسساتها، إضافة إلى فرض سلطتها على كامل أراضيها. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف من الدولة اللبنانية، وبشكل متوازٍ، معالجة مناطق نفوذ حزب الله، ومنع الاحتلال الإسرائيلي من السيطرة على الأراضي، إضافة إلى إيقاف أي محاولات لتدخل عسكري سوري في لبنان. وستعيد الخطوات المتوازية في اتجاه هذه المسارات الثلاثة الثقة والدعم الدولي، الذي سيلعب الدور الأكبر في تحصين مفهوم الدولة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يبدأ التعامل مع مناطق نفوذ حزب الله من الضاحية الجنوبية لبيروت، وليس من جنوب الليطاني، وذلك عبر تقسيمها إلى مربعات صغيرة ينتشر فيها الجيش اللبناني عبر ألويته وقواته الخاصة، لما تمثله الأخيرة من هيبة واحترام لدى كل مكونات المجتمع. وتتمثل المهمة الوحيدة في تفكيك البنية الصناعية واللوجستية للحزب، إضافة إلى مصادرة الأسلحة الثقيلة. وتتبع هذه الخطوة عودة فورية لسكان هذه المربعات بعد انتهاء أعمال الجيش، وضمان، عبر القنوات الدبلوماسية التي نجحت في تحييد المطار، عدم استهدافها.
أما بالانتقال إلى جنوب الليطاني، فعلى الدولة أن تنتشر ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا ومؤسساتيًا في المناطق المسيحية؛ أولًا، لمواجهة من يريد أن يعيد لحن ارتباط المناطق المسيحية بإسرائيل؛ وثانيًا، لتكون الدولة اللبنانية هي المؤتمن الوحيد على سلامة سكانها، مدعومة من دول كبرى لا العكس؛ وثالثًا، للانطلاق من هذه المناطق لتنفيذ انتشار أوسع عبر اعتماد استراتيجية الدفاع السلبي الثابت والمتقدم في مواجهة العدو الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله. أمّا مشكلة التدخل السوري، فتنتفي عبر نجاح الخطوات العملية في الضاحية والجنوب.
وفي المحصلة، يحتاج الوضع اللبناني إلى تدخل استثنائي فقط من منطلق مفهوم الدولة المرتبط بمصالح اللبنانيين جميعًا، وليس بمصالح أفراد أو مجتمعات معيّنة. كذلك، لا يمكن استخدام تكتيك واحد لتنفيذ استراتيجية استعادة السيادة وفرض سلطة الدولة، فللضاحية تكتيكها، كما لمناطق البقاع وجنوب وشمال الليطاني تكتيكات أخرى، كما أن لمواجهة العدو الإسرائيلي تكتيكًا خاصًا.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|