عربي ودولي

حرب المضائق.. إيران تؤجج الصراع وأميركا تحكم الخناق

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يتقاطع المسار العسكري مع الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية في واحدة من أكثر لحظات التوتر حساسية في الإقليم، حيث تتصدر المضائق البحرية -وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب- واجهة المشهد كأدوات ضغط تتجاوز البعد التكتيكي إلى رهانات استراتيجية أوسع.

وبينما تتداخل أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، تتباين قراءات الخبراء حول حدود التصعيد ومآلاته، لا سيما في ظل مؤشرات على عولمة الصراع وتحوله إلى معادلة معقدة تتشابك فيها القوة العسكرية مع كلفة الاقتصاد العالمي.

 وفي قراءة معمّقة لمآلات هذا الصراع، يكشف كل من الأستاذ الزائر في الناتو والاكاديمية الملكية العسكرية ببروكسل، سيد غنيم والباحث في مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عبدالله صوالحة والمستشار السابق للبنك الدولي عمرو صالح خلال حديثهم لسكاي نيوز عربية أن المشهد أعمق بكثير مما توحي به التصريحات الرسمية أو تظهره خطوط المواجهة المباشرة؛ إذ تتقاطع فيه ملفات التجارة العالمية، والضغط الاقتصادي، وأوراق القوة الإقليمية في معادلةٍ بالغة التعقيد.

رسم سيد غنيم صورة دقيقة لمواقف جماعة الحوثيين، مشيرا إلى أن تأخر انخراطهم في المواجهة لم يكن مفاجئا، بل يعزى إلى أحد ثلاثة احتمالات: إما أنهم يتمتعون بهامش من الاستقلالية عن طهران، وإما أن إيران تحتفظ بهم ورقةَ ضغط لمراحل أشد حرارة، وإما أن ثمة قدرا من التنسيق غير المعلن بينهم.

وأوضح المحلل أنه حتى مع الإعلان الحوثي عن أي خطوة، يظل احتمال الجمع بين الاستقلالية والتنسيق مع إيران قائما، لا سيما أن طهران ربما استشعرت مسبقا أن عملية ما في مضيق هرمز باتت وشيكة، وهو ما يجعل تشتيت القوات الأميركية في البحر الأحمر أولوية استراتيجية واضحة.

في السياق ذاته، رأى الباحث صوالحة أن الحوثيين لم يتخذوا بعد قرارا نهائيا بالانخراط الكامل في الحرب، وأنهم في المرحلة الراهنة يسعون إلى إيصال رسائل متعددة؛ أبرزها تحذير الولايات المتحدة من توظيف البحر الأحمر في عملياتها العسكرية، واستهداف حاملات الطائرات الأميركية.

وأضاف صوالحة أن ثمة معادلة داخلية يمنية لا يمكن تجاهلها؛ إذ يترقب الحوثيون مآلات الحرب، وكل المؤشرات العسكرية والسياسية والاستراتيجية تشير إلى أن إيران ستخرج منها خاسرة، مما يدفعهم للتساؤل: هل يرمون بكل أوراقهم مع طهران، أم يحتفظون ببعضها لإعادة رسم توازناتهم الداخلية؟.

وضع غنيم خريطة جيوسياسية دقيقة للمضائق الحيوية، مشيرا إلى أن كلا من البحر الأحمر والخليج العربي تطل عليهما 8 دول، بعضها مشترك. وخلص إلى أن إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من الطاقة و30% من الأسمدة العالمية، مقرونا بتهديد البحر الأحمر الذي يستوعب نحو 10% من التجارة العالمية، سيفضي إلى اكتمال التأثير على المنظومة التجارية الدولية برمتها، ذلك أن هرمز لا بديل له، في حين يمتلك البحر الأحمر مسارا بديلا عبر رأس الرجاء الصالح، وإن كان مكلفا وطويل المدى.

وتوقف غنيم عند نقطة بالغة الأهمية، هي أن التهديد في مضيق هرمز مصدره إيران وحدها، بينما قد تشترك جماعة الشباب الصومالية في تهديد باب المندب والطريق البديل معا، مما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

انصب تحليل المستشار السابق للبنك الدولي عمرو صالح على الأبعاد الاقتصادية للأزمة، مؤكدا أن واجهة الصراع عسكرية، غير أن خلفيته اقتصادية بامتياز.

وأوضح أن كل ارتفاع في سعر برميل النفط بمقدار 10دولارات يحدث تباطؤا في الاقتصاد العالمي يتراوح بين 0.2% و0.4%، مما يعني أن قفزا سعرياً من 50 إلى 100 دولار كفيل بإحداث ركود بنسبة 1%، وهو رقم ضخم في سياق الاقتصاد الدولي.

وفي إطار تحليل لافت، فرق صوالحة بين ما سماه "الذكاء التكتيكي والغباء الاستراتيجي" الإيراني؛ فالسيطرة على المضائق وتهديد التجارة العالمية قد يبدو من وجهة نظر تكتيكية ضربة ذكية قادرة على خنق الاقتصاد العالمي، إلا أنه استراتيجيا انقلب على طهران، وأفضى إلى تشكل ائتلاف دولي واسع ضدها. 

خلافا للرواية الإيرانية التي تروج لمنطق الاستنزاف، رأى صوالحة أن إيران هي الأكثر حاجة وتعجلا لإنهاء هذا الصراع، مستندا إلى مؤشرات الاقتصاد الداخلي؛ من توقف صرف الرواتب، وتعطل الصرافات، وتآكل الطبقة التجارية، وانهيار مستوى المعيشة.

وأشار إلى أن بعض أجنحة النظام الإيراني تدرك أن استمرار الحرب لأسابيع إضافية قد يُفضي إلى انهيار اقتصادي تام. وللدلالة على الفهم الخاطئ لمفهوم الاستنزاف، استحضر صوالحة درس معركة فردان الشهيرة في الحرب العالمية الأولى عام 1916، التي امتدت 9 أشهر وأودت بحياة 700 ألف قتيل، لتنتهي دون أي تغيير في خطوط المواجهة، مستخلصا أن شهراً أو شهرين من المواجهة لا يرقيان بالضرورة إلى مستوى حرب الاستنزاف الحقيقية.

على صعيد مسار التسوية الدبلوماسية، شدد صوالحة على أن الولايات المتحدة دأبت تاريخيا على توظيف الدبلوماسية قناة خلفية موثوقة، مستشهدا بتجربة مفاوضات حماس حين أفضت التهديدات الترامبية إلى الإفراج عن الرهائن. بيد أنه حذر من عقبة جوهرية: فحتى لو توافرت المفاوضات، لا يمتلك النظام الإيراني في راهنه سلطة مركزية قادرة على إعلان الاستسلام وتنفيذه، في ظل الصراع بين الأجنحة الداخلية والحرس الثوري.

ولفت إلى أن واشنطن لن تقبل اتفاقا لا ضمان لتنفيذه، مؤكدا في الآن ذاته أن الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية على حسم المعركة بصرف النظر عن الجدول الزمني، مستند إلى مبدأ ما لم يحسم بالقوة يحسم بمزيد منها.

وعلى الصعيد السياسي-الإعلامي، شكك الأستاذ الزائر في الناتو في السردية الحوثية والإيرانية التي تصف انسحاب الولايات المتحدة في يونيو الماضي بأنه هزيمة أمام الحوثيين، واصفا ذلك بـ"الكلام المغلوط غير الصحيح"، ومشيرا إلى أن ترامب أعلن ما يمكن تسميته "انتصارا معنويا"، وهو ما يختلف جذريا عن الرواية الإيرانية.

يتقاطع المحللون الثلاثة في خلاصة واحدة: إن محاولة إيران توظيف المضائق وتهديد التجارة العالمية لخلق "كتلة حرجة" من الضغط الدولي انقلبت عليها، وأسهمت في توحيد جبهة الخصوم لا في تفتيتها.

وفي المشهد الراهن حيث تتصارع الأجنحة، ويتهالك الاقتصاد، وتتسع دائرة العداء الدولي، يبدو أن الرهان الإيراني على الزمن والاستنزاف ينطوي على مفارقة صارخة: فهي الأكثر حاجةً لإيقاف الساعة، في حين تبدو واشنطن وتل أبيب الأقل استعجالاً لذلك.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا