الصحافة

حرب الأسابيع التي لا يريدها أحد ان تطول

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في خضمّ ​الحرب​ الدائرة منذ أسابيع (قرابة الشهر) بين ​الولايات المتحدة​ واسرائيل من جهة و​إيران​ من جهة ثانية، تبدو الصورة الإقليمية أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات السياسية أو العناوين السريعة. فهذه ليست حرباً تقليدية بين طرفين واضحين، بل شبكة متداخلة من المصالح والضغوط والحسابات المتناقضة، حيث تلعب ​دول الخليج​ و​إسرائيل​ أدواراً حاسمة، وإن اختلفت دوافعها وطرق تعاطيها مع مسار الصراع. من جهة الولايات المتحدة، لا يفوت الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ او المسؤولون الاميركيون فرصة الا ويشددون على إنهاء الحرب خلال "أسابيع" لا "أشهر"، وهو خيار مدروس أكثر منه مجرد خطاب سياسي. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي انزلاق نحو حرب طويلة قد يعيد سيناريوهات مكلفة عايشتها سابقاً ادارات قبلها، سواء في العراق أو أفغانستان. لذلك، تقوم الاستراتيجية على توجيه ضربات مركزة وسريعة تهدف إلى فرض واقع جديد، من دون التورط في استنزاف مفتوح. هذا التوجه لا يعكس فقط حسابات عسكرية، بل أيضاً ضغوطاً داخلية متزايدة، حيث بدأ الرأي العام الأميركي بالتململ مع كل يوم إضافي من القتال، في ظل ارتفاع التكاليف واحتمال تزايد الخسائر.

أما في الخليج، فالموقف يبدو ظاهرياً متناقضاً، لكنه في الحقيقة شديد الوضوح. هذه الدول ترى في إضعاف إيران هدفاً استراتيجياً طالما سعت إليه، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الحرب الطويلة قد ترتد عليها بشكل مباشر. فالجغرافيا لا ترحم، وأي تصعيد واسع قد يضع منشآتها الحيوية ومدنها تحت التهديد المستمر، فضلًا عن المخاطر المرتبطة ب​أسواق الطاقة​ والملاحة. لذلك، تتبنى مقاربة مزدوجة: دعم غير رسمي للضغط العسكري على إيران، مقابل دفع هادئ نحو احتواء الحرب ومنع تمددها. بعض الدول يميل أكثر إلى التهدئة والوساطة، فيما تبدو دول أخرى أكثر تقبلًا لفكرة استمرار الضغط العسكري لفترة محدودة، لكن مع الابتعاد عن مواجهة طويلة.

في المقابل، تقف إسرائيل في موقع مختلف نسبيًا. فهي ليست مجرد طرف متأثر، بل لاعب مباشر في الميدان، سواء عبر ضربات مرتبطة بإيران أو من خلال المواجهة المستمرة على ​الجبهة اللبنانية​. ومع ذلك، فإن سلوكها لا يعكس رغبة في حرب مفتوحة بلا حدود، بل في استثمار اللحظة لتحقيق مكاسب استراتيجية يصعب تحقيقها في ظروف عادية، وهي تتمثل أساساً في تقليص التهديدات المحيطة بها، سواء من حيث القدرات الصاروخية أو البنية العسكرية التي تستهدفها وتهدد بقاءها وتضع الاسرائيليين في خطر دائم. وهذا لا يعني أن تل ابيب مرتاحة، بل على العكس، تواجه ضغوطًا متعددة: استنزاف على جبهتها الشمالية، اضطراب في جبهتها الداخلية، وقلق دائم من توسع رقعة المواجهة. كما أن مسألة الخسائر، رغم خضوعها لرقابة صارمة، تبقى عاملاً مؤثراً في المزاج العام وفي حسابات القيادة. لذلك، يمكن القول إنها تسير على حافة دقيقة: تريد وقتاً كافياً لتحقيق أهدافها، لكنها لا ترغب في حرب طويلة قد تتحول إلى عبء استراتيجي.

وبالتالي، يمكن القول ان مواقف الأطراف المختلفة المعنية تتقاطع عند نقطة واحدة، رغم اختلاف الدوافع: لا أحد يريد حرباً طويلة، بمن فيها ايران. الولايات المتحدة تخشاها لأسباب داخلية واقتصادية، دول الخليج تخاف انعكاساتها المباشرة، وإسرائيل تدرك حدود قدرتها على التحمل في مواجهة متعددة الجبهات، فيما ايران باتت في وضع لا تحسد عليه، وخفّت قدراتها العسكرية والتقنية من دون ان تتلاشى بطبيعة الحال. ومع ذلك، لا أحد مستعد أيضاً لإنهاء الحرب من دون تحقيق قدر من المكاسب يبرر كلفتها.

هذا التوازن الهشّ هو ما يحدد مسار الحرب حالياً: تصعيد محسوب، وضربات مؤلمة، وضغوط سياسية متزايدة، كلها تتحرك ضمن سقف غير معلن. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب ستنتهي قريباً، بل ما إذا كان هذا "السقف" سيصمد، أم أن حدثاً مفاجئاً قد يدفع الجميع إلى ما كانوا يحاولون تجنبه منذ البداية: حرب مفتوحة بلا حدود.

طوني خوري -النشرة

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا