لماذا لن تتدخّل سوريا في لبنان؟
حذّر المستشار الأوّل للمبعوث الأميركيّ الخاصّ إلى سوريا، أندرو تابلر، في تقرير نشره معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى، من مخاطر أي تدخّل سوريّ في لبنان، ودعا واشنطن إلى دعم استقرار سوريا الداخليّ وأمن حدودها، ودمجها في إطار إقليميّ أوسع لاحتواء إيران، بدلاً من دفعها نحو مغامرات عسكريّة خارجيّة محفوفة بالمخاطر، أو الضغط عليها لمحاربة وكلاء إيران في لبنان أو العراق.
أشار تابلر، الذي شغل سابقاً منصب مدير شؤون سوريا في مديريّة شؤون الشرق الأوسط بمجلس الأمن القوميّ (2019) في الأيّام الأخيرة لخلافة تنظيم داعش، إلى تقرير وكالة “رويترز” بتاريخ 17 آذار، الذي تحدّث عن سعي واشنطن للضغط على الرئيس السوريّ أحمد الشرع لإرسال قوّات إلى لبنان للمساعدة في نزع سلاح “الحزب”. اعتبر أنّ هذه الادّعاءات، على الرغم من نفي المبعوث الأميركيّ توم بارّاك لها، تسلّط الضوء على مشكلة أعمق في العلاقات الأميركيّة-السوريّة، وهي وجود فجوة بين ما تستطيع سوريا فعله وما قد يأمله بعض صُنّاع القرار منها.
في حين تبدو سوريا، بقيادة الشرع، منفتحة على التعاون مع الولايات المتّحدة وحلفائها في احتواء إيران، إلّا أنّها لا تسعى إلى لعب دور قوّة تدخّل خارجيّ ضدّ الجماعات المدعومة من إيران، مثل “الحزب” في لبنان أو الميليشيات الشيعيّة في العراق. بإمكان إدارة دونالد ترامب بذل الكثير لتخفيف هذا التوتّر من خلال الاعتراف بمحدوديّة الحكومة، التي لا تزال في طور التكوين في دمشق، وإيجاد سبل أخرى لتعزيز التعاون في قضايا الأمن الحيويّة خلال الحرب مع إيران وما بعدها.
في رأي تابلر أنّ “الاستجابة السوريّة للأزمة الإيرانيّة مدروسة وتتّسم بالحذر والتوازن”. على الصعيد الدبلوماسيّ، اصطفّت دمشق مع الدول العربيّة والولايات المتّحدة في إدانة أفعال إيران والتعبير عن التضامن مع دول الخليج، فتعزّز موقع سوريا ضمن كتلة عربيّة أوسع معارضة لإيران. حافظ الشرع أيضاً على تواصل مع قادة المنطقة، في إشارة واضحة إلى رغبة سوريا في إعادة الاندماج في النظام العربيّ بعد سنوات من العزلة خلال عهد الأسد. يُضاف إلى ذلك أنّ سوريا تجنّبت التصعيد العسكريّ المباشر، فبدلاً من توسيع نطاق عمليّاتها خارج حدودها، ركّزت على الدفاع عن أراضيها وعلى حماية حدودها مع لبنان والعراق، وأكّدت أنّ نشر قوّاتها على هذه الحدود يأتي في إطار الدفاع والردع، وبهدف منع التسلّل وعمليّات التهريب والنشاط المسلّح عبر الحدود، وليس للتحضير لعمليّات هجوميّة أو للتدخّل.
مخاطر التّدخّل في لبنان
درس تابلر وعمل في مصر وإسرائيل والأردن ولبنان وسوريا وتونس وتركيا على مدى أربعة عشر عاماً، وشارك في تأسيس مجلّة “سوريا اليوم”، أوّل مجلّة باللغة الإنكليزيّة تابعة للقطاع الخاصّ في سوريا، وعمل مستشاراً في العلاقات بين الولايات المتّحدة وسوريا للفريق الدوليّ المعنيّ بالأزمات. اعتبر أنّ هذا النهج الحذر يعكس مزيجاً من الحسابات الاستراتيجيّة والقيود البنيويّة، ويؤكّد حقيقة أساسيّة، وهي أنّ سوريا دولة لا تزال تعمل على تأمين داخلها، وليست في وضع يسمح لها بفتح جبهات جديدة خارج حدودها.
بحسب تابلر، ينطوي أيّ تدخّل سوريّ في لبنان على مخاطر جسيمة في ظلّ الوضع الراهن، ليس فقط بالنسبة لسوريا، بل أيضاً بالنسبة للاستراتيجية الإقليميّة لواشنطن:
1- قد يؤدّي ذلك إلى تصعيد إقليميّ أوسع، حيث يمكن أن تردّ الجماعات المدعومة من إيران، فتتوسّع دائرة النزاع. قد يتصاعد الأمر بسرعة إلى ما هو أبعد من الاشتباكات المحليّة، ليجذب شبكات تهديد إيرانيّة أخرى، وربّما يستفزّ أعمالاً انتقاميّة في سوريا والعراق وخارجهما.
2- قد يؤجّج ذلك التوتّرات الطائفيّة في لبنان وسوريا. سيتبنّى “الحزب” سريعاً عباءة “المقاومة”، ويصوّر القوّات السوريّة بأنّها حشد من الجهاديّين السنّة العازمين على قتل المدنيّين الشيعة، فيحشد الدعم بين هذه الفئة الأساسيّة ويزيد من هشاشة التوازن الطائفيّ في لبنان.
3- قد يقوّض ذلك شرعيّة الدولة اللبنانيّة، إذ إنّ أيّ تدخّل سوريّ سيُنظر إليه، في ضوء تاريخ الهيمنة السوريّة على لبنان، على أنّه إكراه خارجيّ لا قرار سياديّ، وهو ما قد يؤدّي إلى نتائج عكسيّة.
أولويّات مختلفة لسوريا
في رأي تابلر أنّ سوريا لا تفكّر في أيّ عمل عسكريّ خارجيّ، بل تركّز أولويّاتها الحاليّة على أهداف أكثر واقعيّة، وهي:
1- منع امتداد الحرب إلى داخل سوريا، ولذلك زادت من تعزيزاتها ومراقبتها ودوريّاتها على طول الحدود مع لبنان والعراق.
2- الحفاظ على تحالف سياسيّ علنيّ مع الدول العربيّة وواشنطن، يشير تواصلها الدبلوماسيّ وإدانتها المستمرّة للتحرّكات الإيرانيّة إلى رغبة في إعادة تموضع سوريا ضمن النظام الإقليميّ بعد سنوات من كونها مركزاً لإيران وميليشياتها. حثّ الشرع المسؤولين اللبنانيّين على توخّي الحذر من المحاولات الإسرائيليّة المحتملة لإثارة المشاكل بين الدول العربيّة، بما في ذلك عبر عمليّات عسكريّة تدفع الحزب أو الميليشيات العراقية نحو الحدود السورية.
3- إدارة الضغوط الداخليّة، إذ إنّ الحرب مع إيران تُخلّف تداعيات اقتصاديّة، مثل انقطاع إمدادات الطاقة والتهافت على شراء الوقود. وفي الوقت نفسه، عبَر أكثر من 125 ألف لاجئ سوريّ الحدود من لبنان في غضون أيّام، فازداد الضغط على الموارد المحليّة.
الدّور الأميركيّ
في ضوء هذه الحقائق، يرى تابلر ضرورة تعديل السياسة الأميركيّذة لتتوافق بشكل أفضل مع قدرات سوريا ومصالحها، فتعمل واشنطن على:
1- الإعلان بوضوح أنّها لا تتوقّع من سوريا التدخّل عسكريّاً في لبنان، إذ إنّ التلميح إلى مثل هذه التوقّعات قد يؤدّي إلى سوء تقدير من جانب الجهات الفاعلة الإقليميّة.
2- دعم جهود سوريا لتأمين حدودها، ويشمل ذلك تبادل المعلومات الاستخباريّة، تقديم المساعدة التقنيّة، والتنسيق مع الدول المجاورة. إنّ تعزيز الرقابة على الحدود من شأنه أن يساعد في الحدّ من حركة الأسلحة والمقاتلين المرتبطين بإيران، من دون إثارة صراع مباشر.
3- دمج سوريا في استراتيجية إقليميّة أوسع لاحتواء إيران. يتطلّب هذا الأمر التعاون مع دول الخليج والشركاء الأوروبيّين والدول المجاورة في قضايا مثل إدارة شؤون اللاجئين، المساعدات الإنسانيّة، وإعادة الإعمار. موقع سوريا الجغرافي يجعلها لاعباً رئيساً في الديناميكيّات الإقليميّة، وإن لم تكن منخرطة بشكل مباشر في القتال.
4- تجنّب فرض مطالب على سوريا تفوق قدراتها، إذ إنّ دفع البلاد إلى تولّي أدوار لا تستطيع تحمّلها قد يزعزع استقرار حكومتها الهشّة، ويتيح الفرصة لجماعات متطرّفة مثل تنظيم الدولة الإسلاميّة للظهور مجدّداً.
الاستقرار الإقليميّ
بالنسبة لتابلر، الباحث حاليّاً في معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى ومؤلّف كتاب “في عرين الأسد: رواية شاهد عيان على معركة واشنطن مع سوريا”، يجب أن لا يُقاس نجاح التعاون الأميركيّ – السوريّ بمدى استعداد سوريا لخوض حروب خارجيّة بل بمدى مساهمتها في الاستقرار الإقليميّ. تشمل هذه المساهمة ضبط الحدود، الحدّ من تدفّق الأسلحة والمقاتلين المرتبطين بإيران، والتنسيق مع الدول المجاورة.
يرى أنّ سلوك سوريا حتّى الآن يتماشى إلى حدّ كبير مع هذه الأهداف، على الرغم من أنّ هذا التوافق لا يزال هشّاً وقابلاً للتغيّر. قد تبدو فكرة استخدام سوريا كقوّة وكيلة ضدّ “الحزب” جذّابة نظريّاً، لكنّها في الواقع استراتيجية عالية المخاطر ومحدودة الفائدة. تفتقر سوريا إلى المقوّمات اللازمة لمثل هذا الدور، وأيّ محاولة لدفعها إليه قد تؤدّي إلى زعزعة استقرارها.
لذا النهج الأكثر فاعليّة هو التعامل مع سوريا كما هي: دولة تسعى إلى إعادة بناء نفسها، تأمين حدودها، والانخراط بحذر في محيطها الإقليميّ. من خلال دعم هذه الأولويّات، تستطيع الولايات المتّحدة المساهمة في تعزيز الاستقرار الإقليميّ من دون إرهاق شريك هشّ.
إيمان شمص -أساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|