محليات

إسرائيل تعيد رسم جنوب لبنان.. ماذا ينتظر الليطاني؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتجه الجبهة الجنوبية في  لبنان نحو تصعيد ميداني مفتوح يتسم بتوسّع رقعة العمليات وتعدد مسارات الاشتباك، حيث تتحرك القوات الإسرائيلية ضمن انتشار متدرج يربط بين الضغط الجوي والتقدم البري، ويعيد توزيع ثقل العمليات من الخط الحدودي إلى عمق القرى والمرتفعات القريبة من نهر الليطاني، في مسار يفرض قواعد عمل جديدة ويعيد تنظيم الضبط الأمني جنوبًا بما يتجاوز نمط الاشتباك التقليدي.

يتمثل ذلك من خلال حضور كثيف للطيران والمدفعية واستمرار استهداف البنية المرتبطة بالحركة والإمداد داخل الجنوب، واتساع نطاق العمليات ليشمل أكثر من قطاع في وقت واحد، حيث تتشكل خريطة ميدانية جديدة تقوم على تثبيت نقاط تماس متقدمة وربطها بخطوط إسناد قريبة من الحدود.

ويتوزع التصعيد الميداني على قطاعات مرجعيون وبنت جبيل والساحل الجنوبي لصور، حيث نفذ الطيران الإسرائيلي غارات مباشرة على طريق دبين–إبل السقي، ما أدى إلى قطع خط الإمداد القادم من البقاع الغربي نحو محيط الخيام، بالتوازي مع قصف مدفعي كثيف استهدف أطراف البلدة من جهتها الشمالية.

ورصدت مصادر ميدانية تقدم وحدات إسرائيلية باتجاه محيط القنطرة ووادي الحجير وصولًا إلى نقاط قريبة من مجرى نهر الليطاني في القطاع الشرقي، مع تثبيت مواقع في رشاف وبين صربين وبيت ليف في القطاع الأوسط، مقابل تحرك ميداني على الساحل وصل إلى أطراف البياضة وامتد نحو بلدة شمع في صور. 

نموذج تحكم ميداني طويل الأمد
كذلك تزامن هذا التقدم مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيهًا بتوسيع نطاق العمليات على الجبهة الشمالية وإحداث تغيير في الواقع الأمني القائم، في ظل استمرار الضربات الجوية على مواقع في البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ضمن مشهد ميداني مفتوح يتداخل فيه التقدم البري مع الضغط الناري وتوزيع العمليات على محاور متعددة داخل الجنوب.

هذا التطور يكشف عن مسار يتجه نحو إعادة تنظيم الجنوب ضمن صيغة أمنية مختلفة تُبنى تدريجيًا عبر الوقائع الميدانية، حيث يدفع التقدم المتزامن على أكثر من قطاع نحو إنتاج بيئة قابلة للضبط المستمر، تتحكم بإيقاعها نقاط انتشار محددة وخطوط نار ثابتة، وتقيّد حركة "حزب الله" داخل هذا المجال وتحدّ من قدرته على إعادة تنظيم انتشاره، عبر فرض قواعد ميدانية تتحول لاحقًا إلى مرجعية لأي ترتيب أمني قادم.

في حين لا يبدو أن ما يتشكل على الأرض هو إعادة إنتاج مباشرة لنموذج "الشريط الأمني" الذي اعتمدته إسرائيل سابقًا، بل أقرب إلى صيغة هجينة تقوم على التحكم بالمجال عبر القوة النارية والانتشار المحدود دون انخراط في احتلال تقليدي. ويؤدي هذا النمط إلى إحكام السيطرة على الحركة داخل الجنوب مع تقليص الحاجة إلى انتشار بشري واسع، ويعيد تشكيل نمط السيطرة ليقوم على تدخل مستمر وقدرة على التقييد وفق تطورات الميدان

إعادة تشكيل الانتشار جنوب لبنان
عمليًا، يكشف توزيع الضربات على قطاعات مرجعيون وبنت جبيل والقطاع الأوسط وصولًا إلى الساحل الجنوبي لصور عن توجه واضح لإعادة تشكيل بنية انتشار "حزب الله" داخل الجنوب، حيث يقود هذا النمط من الضغط إلى تفكيك البنية العملياتية داخل الجنوب، إذ يتحول انتشار "حزب الله" من شبكة مترابطة إلى تموضع مجزأ ضمن قطاعات منفصلة، ما يضعف القدرة على تنسيق القرار الميداني ويحدّ من فعالية الإسناد بين الجبهات.

ومع استمرار الضغط الناري وتقييد خطوط الحركة، تدخل الوحدات في حالة استنزاف تدريجي ترتبط فيها القدرة على المبادرة بظروف يفرضها توزيع الضربات، ضمن قيود يفرضها توزيع الضربات.

ويأتي التركيز على نهر الليطاني ضمن سياق ممتد في التفكير الأمني الإسرائيلي، إذ شكّل هذا الخط مرجعًا عمليًا لضبط الجبهة الشمالية منذ عملية الليطاني عام 1978 وصولًا إلى التقدم نحو العمق اللبناني عام 1982، وبقي حاضرًا في الأدبيات الأمنية كحد تنظيمي للمجال الحدودي.

كذلك اعتمدت إسرائيل بين عامي 1985 و2000 نموذجًا قائمًا على تثبيت شريط أمني داخل الجنوب اللبناني بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي، وأدارت المنطقة عبر نقاط عسكرية محدودة وشبكة حلفاء محليين، مع حضور دائم للرقابة النارية، حيث منحها هذا النموذج القدرة على التحكم بالمجال الحدودي مع كلفة انتشار أقل.

وتدفع هذه المعطيات نحو تكريس واقع ميداني يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، حيث تتحول السيطرة إلى عملية مستمرة تقوم على إدارة المجال، وإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافيا والقوة داخل الجنوب وفق نمط يربط الانتشار العسكري بآليات ضبط دائمة، ويضع الإيقاع الأمني ضمن نطاق يمكن التحكم به على المدى الطويل.

نقاط ثابتة وإيقاع عملياتي مستقر
تعتمد إسرائيل على تثبيت نقاط تحكم ميدانية ضمن قطاعات مرجعيون والقطاع الأوسط والساحل الجنوبي، وتربط هذه النقاط بغطاء ناري متواصل يمنحها إمكانية مباشرة للتحكم بمسارات الحركة داخل القرى ومحيطها، وتستخدمها لرصد أي محاولة لإعادة التموضع والتدخل السريع عند الحاجة، وتوزع الجهد العسكري بين هذه القطاعات بشكل متزامن بما يفرض ضغطًا متراكمًا على امتداد الجبهة، ويدفع الوحدات المقابلة إلى التعامل مع بيئة قتال متعددة الاتجاهات. 

كما يتيح هذا النمط من الانتشار فرض إيقاع عملياتي متواصل يرتكز على التحكم بتوزيع الضربات وتغيير نقاط التركيز وفق معطيات الميدان، مع دور مركزي للطائرات المسيّرة في تأمين المراقبة وتنفيذ ضربات دقيقة، ضمن تعقب مستمر للأهداف ترتبط بحركة الانتشار داخل هذه القطاعات.

هذا وقد أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى بدء إنشاء مواقع عسكرية ثابتة جنوب الليطاني، مع حديث عن عشرات النقاط التي يجري تجهيزها داخل المنطقة، ما يعكس توجهًا نحو تثبيت حضور ميداني مرتبط بخطوط السيطرة الحالية، في وقت أعلن فيه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، نية السيطرة على مساحة واسعة من الجنوب حتى نهر الليطاني وفرض نطاق أمني متصل، وهو ما يضع التحركات الجارية ضمن قرار سياسي واضح داخل المؤسسة الحاكمة.

بهذا المعنى، يتجه الجنوب نحو إعادة تعريف تدريجية لشكل السيطرة داخله، حيث تتحول الجغرافيا إلى مجال مراقَب ومقيّد ضمن مسار يعيد تنظيم طبيعة الاشتباك وحدود الحركة، إذ يفرض هذا المسار واقعًا أمنيًا طويل الأمد يعيد صياغة العلاقة بين القوة والسيادة داخل الجنوب، ويفتح المجال أمام تثبيت ترتيبات غير معلنة قابلة للتكرّس مع الوقت كأمر واقع.
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا