ماذا إن لم تشمل تسوية الحرب لبنان؟
لا بد من أن تنتهي الحرب الدائرة في المنطقة في يوم ما، قريباً كان أو بعيداً. ليست هناك حرب بلا نهاية، حتى لو كان بعض الحروب يتجدد كل بضع سنوات، كما يحصل في حروب إسرائيل مع جيرانها وداخل فلسطين. إذا توصلت المبادرات الناشطة حالياً الى وقف الحرب فسيدعي كل من اطرافها أنه انتصر. سيتباهى دونالد ترامب بأنه دمّر البرنامج النووي الإيراني وقتل قيادة إيران المتشددة وأعادها إلى "الصف". ومثله سيفعل بنيامين نتنياهو الذي سيطمئن الإسرائيليين إلى زوال الخطر النووي الإيراني وتقليص قدرة البرنامج الصاروخي على ضرب مدنهم ومنشآتهم. وستتفاخر إيران بصمودها "الأسطوري" وبقاء نظامها وبقدرتها على ضرب إسرائيل وإصابة القواعد الاميركية في المنطقة، وبفرضها حصاراً اقتصاديا بحرياً جعل العالم كله يصرخ من الوجع عبر إغلاقها مضيق هرمز في وجه تجارة النفط والغاز الدولية.
أصابت تداعيات الحرب العالم كله، ولعل دول الخليج العربي كانت أكثر تضرراً بسبب الاستهدافات الإيرانية لمدنها ومنشآتها المدنية والإقتصادية الاستراتيجية، رغم أنها لم تشارك في الحرب وسعت جاهدةً الى تجنيب المنطقة كوارثها. لكن هذه الدول قادرة، فور وضع الحرب أوزارها، على تعويض خسائرها ومعالجة ذيول هذه الحرب والإستفادة من دروسها على المستويات السياسية والاستراتيجية. لا شك في أن تغييراً كبيراً سيحصل في التفكير والتخطيط ولن يكون ما بعد الحرب كما قبلها.
هذا تقديم ضروري للدخول في السؤال المهم: ماذا عن جبهة إسرائيل-"حزب الله" وما موقع لبنان في التسوية التي يعمل عليها؟ وهل يدفع الثمن الأغلى لهذه الحرب كما يحصل دائماً؟
سارعت إسرائيل فور بدء الحديث عن اتصالاتٍ اميركية/إيرانية وتقديم واشنطن ورقةً من 15 نقطة (تشبه شروط استسلام) إلى إيران لوقف الحرب، إلى فصل الحرب على "حزب الله" عن التسوية المفترضة بتأكيد مجلس وزراء حربها أن الحرب على الحزب ستستمر حتى لو توقفت على الجبهة الإيرانية. الإعلان الإسرائيلي السريع هو عملية التفافٍ على التسوية وفرض أمرٍ واقع على المتحاورين، أو استباق التفاوض لقبض ثمنٍ مرتفع لوقف الحرب على الحزب إذا حاولت إيران ضم الجبهة اللبنانية إلى صفقة التسوية.
لبنان هو الطرف الأضعف في هذه الحرب التي تخطت كونها حرباً مع "حزب الله" لتصبح حرباً تهدد الكيان اللبناني برمته، عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً. هي حرب وجود للبنان، بحدوده، وديموغرافيته وعوامل انفجاره الداخلية الكامنة والظاهرة. لم يعد الحديث الآن لماذا أقحم لبنان في هذه الحرب ومن أين صدر قرار "حزب الله" المشاركة فيها إلى جانب إيران، من طهران أم من الضاحية الجنوبية، أم من مخابئء سرية في المكانين؟ فلبنان الآن في المعمعة والسؤال الكبير هو ماذا بعد؟
لاتقاس خسائر أي بلد طاولته الحرب بخسائر لبنان، البلد الصغير هو أكبر الخاسرين قياساً على حجمه وقدرته واقتصاده. خسائره أكبر بكثيرٍ من خسائر إيران وإسرائيل. كل بحسب حجمه وقدرته، فيما هو لم يختر الحرب التي انخرط فيها "حزب الله" بقرارٍ ذاتي له ملابساته التي باتت معروفة. وفوق ذلك كله لا أحد يعيره اهتماماً، لا في التفاوض ولا في الضغط على إسرائيل، حتى ليبدو كأن إسرائيل وأميركا متفقتان على "الاقتصاص" من لبنان كله وتحميله وزر الحرب مع إيران.
تستخدم إسرائيل لبنان ساحةً رديفة لتعزيز ادعاء انتصارها، ما لم تنجزه كاملاً في إيران تعوّضه في لبنان، تدمّر الضاحية الجنوبية تدميراً ممنهجاً وتدفع بآلاف الجنود إلى الشريط الذي احتلته وتستدعي مئات الألوف من الاحتياط لحرب توسيع المنطقة العازلة التي تريدها حتى حدود نهر الليطاني، متخطيةً الكيلومترات القليلة التي كانت أفرغتها من سكانها ودمرتها في حرب الـ2024 إلى مسافةٍ أبعد. وهي مسافة تشبه حدودها المطاطة لا تقف عند حد. هي حالياً نهر الليطاني لكنها قد تمطها لتصبح نهر الزهراني على مقربة من صيدا. والوصول إلى الليطاني يعيد فتح ملفٍ قديم كان الجميع ظنوا أنه أقفل وهو ملف سرقة مياه الليطاني.
تتبع إسرائيل سياسة الأرض المحروقة في المنطقة العازلة، لا تريد سكاناً فيها يصبحون مقاتلين، تدمر فوق الأرض وتحتها فتفاقم الأزمة الداخلية في لبنان وتحمله أعباء اقتصادية فوق طاقته، وتثير القلاقل بين طوائفه كما يحصل في مناطق النزوح من إشكالات يتردد صداها في التصريحات وفي مواقع التواصل الاجتماعي، تحدياتٍ وتهديدات وشتائم ونعراتٍ طائفية ومذهبية خرجت عن حدود المألوف ولم يعد أحد قادراً على ضبطها، بل لعلّ الجميع متورطون فيها بشكلٍ أو بآخر.
إنه قدر لبنان أن يكون دائماً ساحة حرب، لا تتوقف حتى تعود، فأي احتلال لبقعةٍ من الأراضي اللبنانية سيطلق مقاومةً جديدة ويعطي مبرراً قوياً لبقاء سلاح "حزب الله" ويعقّد الأزمة الداخلية فوق تعقيداتها.
راغب جابر -النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|