الصحافة

عون كان يعلم والثنائي فقد توازنه.. قصة طرد السفير الإيراني

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أكثر ما بدا لافتاً وعميق الدلالة، بعد قرار وزير الخارجية يوسف رجّي سحب اعتماد السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه ومنحه مهلة حتى يوم الأحد المقبل لمغادرة البلاد، هو تعليق وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي أثنى على الخطوة ودعا إلى المزيد منها. وهذا "المزيد"، كما تطلبه وتدعو إليه تل أبيب وواشنطن، يتمثّل في إخراج وزراء الثنائي الشيعي من الحكومة وتصنيف حزب الله تنظيماً إرهابياً.

ما قاله ساعر ينطلق من قناعة بأن هذا القرار يشكّل إحدى نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان. والشعور الذي ساد بيروت بعد خطوة رجّي، أنها ما كانت لتحصل لو لم تكن الحرب الإسرائيلية جارية.

هذا الموقف استفزّ ثنائي حركة أمل – حزب الله على نحوٍ خاص، إذ بدا كأن الإسرائيلي بات مقرّراً ويحظى بقدرة على توجيه السلطة في شأن سيادي لبناني، مستفيداً من الحرب لرفع منسوب الضغط داخلياً. في المقابل، ظهر وزير الخارجية يوسف رجّي كمن يتخذ قرارات حساسة من دون تنسيق مسبق مع الشركاء الآخرين أو العودة إليهم أو إلى مجلس الوزراء، في مسألة يدرك الجميع مدى دقتها وخطورتها.

وفق المعطيات، برّر رجّي خطوته بأنها نُسّقت بالكامل مع رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، وهذا ما استفز الثنائي الشيعي الذي طالب بإيضاحات. غير أنَّ الرئيس الذي لمس أنه انغمس في مشروع مشكل ذات أبعاد مذهبية، حاول التنصل من خلال فريقه، ملمحاً إلى أن القرار لم يناقش معه، ما لم يستسغه "الثنائي" الذي رد بمطالبة السفير الإيراني بالبقاء وعدم المغادرة. ودعم خطوته برفع المنسوب الطائفي إلى أقصاه بعد استدراج عروض من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي حمل عبره المفتي أحمد قبلان على العهد والحكومة.

على هذا النحو، تحوّلت قضية يُفترض أنها "تقنية-سياسية" إلى مسألة طائفية بامتياز، ما استدعى من رئيس الجمهورية جوزاف عون الهروب إلى الأمام، قاذفاً الكرة باتجاه وزارة الخارجية وما تمثّله سياسياً، ولسان حاله جعل المواجهة تحصل بين الثنائي الشيعي و "القوات اللبنانية".

ومع ذلك، لم تفلح كل المحاولات التي جرت خلال الساعات التي أعقبت صدور قرار الخارجية في تنصّل الرئاسة منه، عبر تسريبات أوحت بعدم مسؤوليتها عنه، وتحميل وزارة الخارجية كامل الأعباء. ووصل الأمر إلى تحريك قنوات اتصال مع عين التينة للتخفيف من وطأة القرار ولتفسير موقف بعبدا، خصوصاً بعدما لمس المعنيون، وعلى رأسهم عون، ضغط اللحظة نتيجة سوء تقدير ردّ الفعل الشيعي، الذي لجأ إلى المواجهة بسقف مرتفع جداً بلغ حد إصدار أمر إلى السفير الإيراني بعدم الإمتثال، في سابقة خطيرة تنذر بتحويل المؤسسات إلى ساحات اشتباك في ما بينها.

وتضيف المصادر أن الحد الأقصى من التصعيد تمثّل في ما نُقل إلى الرئيس عون عن استياء رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي اعتبر القرار موجّهاً ضده شخصياً، في وقت كان يعمل على ردم الفجوات الداخلية بالتنسيق مع رئاسة الجمهورية.

حتى اللحظة، تبدو السلطة عالقة في عنق زجاجة القرار، إذ لا قدرة على تطبيقه ولا على تجاوزه أو إلغائه، في وقت بلغ الاحتقان في الشارع مداه، وبات ينذر باندلاع موجة عنف طائفي، شعبية وسياسية، في ظل العدوان الإسرائيلي الواسع.

لكن، ما الذي دفع السلطة في لبنان، ممثّلة برئيسي الجمهورية والحكومة، إلى تغطية قرار وزارة الخارجية بطرد السفير الإيراني، بما أوحى وكأن البلاد تتجه نحو قطع العلاقات مع طهران، وفتح باب التفاوض مع إسرائيل؟

وفق مصادر سياسية رفيعة، يرتبط جزء من القرار بطبيعة التموضع السياسي اللبناني الجديد، حيث تسعى الحكومة إلى إثبات أنها لم تعد محسوبة على ما يُعرف بمحور المقاومة. كما يرتبط جزء آخر بتلبية مطالب إقليمية ودولية. وتشير المصادر إلى أن حراكاً داخلياً أخذ يتفاعل منذ بداية التصعيد الحالي، ربط نفسه بضرورات تتيح اتخاذ قرار بقطع العلاقات مع الجمهورية الإسلامية. وقد عملت صحف ووسائل إعلام وشخصيات على خلق مبررات مرتبطة بالدور الإيراني العسكري.

وفي السياق نفسه، يمكن تفسير حضور الدور الأميركي، حيث وضعت واشنطن السلطة أمام معطيات تتعلق بدور إيراني يتجاوز الإطار الدبلوماسي من خلال نشاط للحرس الثوري على الأراضي اللبنانية. وخلال الحرب الجارية، عادت السفارة الأميركية وزوّدت بيروت بمعلومات إضافية، وهذا ما دفع إلى تفعيل حملة سياسية ضد الوجود الإيراني.

ويُضاف إلى ذلك عامل الاشتباك الإقليمي مع إيران، إذ بدأت بعض الدول الإقليمية باتخاذ إجراءات بحق دبلوماسيين إيرانيين، وإن لم تبلغ مستوى ما أقدم عليه لبنان، ما فُهم على أنه استباق لبناني لأي خطوات عربية مماثلة.

بالعودة إلى الخلفية، فإن التوتر بين الحكم اللبناني الجديد والحكومة الإيرانية ليس وليد اللحظة، بل بدأ نسبياً في بداية العام الجاري، مع طلب طهران استبدال سفيرها في بيروت، وما رافقه من اتهام وزير الخارجية يوسف رجّي بالتشدّد في التعاطي مع الطلب. فعلى الرغم من قبول طهران تعيين سفير لبناني لديها، ماطلت الخارجية اللبنانية لنحو شهرين في الرد على اقتراح تعيين السفير الإيراني الجديد محمد رضا شيباني، ما استدعى تدخلاً دبلوماسياً إيرانياً مباشراً للاستفسار عن الأسباب.

ولاحتواء الإشكال، تدخّل وسطاء على خط بعبدا، وأقنعوا رئيس الجمهورية جوزاف عون بطلب تسهيل تعيين السفير الإيراني عبر التدخل لدى وزير الخارجية، وهو ما حصل على مضض، إلا أن الأخير حافظ على درجة تشدّده، من دون تحديد موعد لتقديم أوراق اعتماد السفير الجديد، وهو أمر لا يمنعه من ممارسة مهامه طالما أن الوزارة وافقت على اعتماده، ما يضع مسؤولية التأخير على الجانب اللبناني.

في المقابل، يبرز تشدّد الدولة في التعاطي مع الدبلوماسيين الإيرانيين، إذ لا يكاد يمر أسبوع من دون استدعاء السفير أو القائم بالأعمال لأي سبب، في حين يغيب هذا الحزم في ملفات سيادية لا تقل أهمية.

فعلى سبيل المثال، قبل نحو أسبوعين، برزت قضية خطيرة تمثّلت في تورّط السفارة الأوكرانية في بيروت في تهريب شخص مطلوب هو خالد العايدي، فلسطيني سوري يحمل الجنسية الأوكرانية، يُشتبه بضلوعه في قيادة شبكة تعمل لمصلحة الموساد، خططت لتنفيذ عمليات إرهابية في بيروت. وتشير المعلومات إلى أن الطيران الإسرائيلي استهدف شقة في الضاحية احتُجز العايدي داخلها، ما أتاح له الفرار، حيث كانت سيارة تابعة للسفارة بانتظاره لنقله إلى مقرّها، حيث وُضع تحت الحماية.

وبحسب مصدر أمني، وبعد اكتشاف دور السفارة الأوكرانية، طلبت المديرية العامة للأمن العام، عبر كتاب رسمي، تسليم العايدي مرفقاً بالأدلة وإشارة قضائية، إلا أن السفارة تجاهلت الطلب، ما دفع الأمن العام إلى إبلاغ وزارة الداخلية، التي بدورها راسلت وزارة الخارجية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك استدعاء السفير الأوكراني، من دون أن يُسجَّل أي تحرّك فعلي حتى الآن.

حادثة أخرى تُظهر ازدواجية المعايير تتصل بملف بلغاريا، حيث كشفت التحقيقات أن الشبكة التي نشط فيها العميل الموقوف لدى الأمن العام محمد صالح، والمتهم بتوفير معطيات لوجستية ساهمت في تنفيذ اغتيالات، أبرزها اغتيال السيد حسن نصرالله، تلقت تدريبات أساسية وأُديرت من الأراضي البلغارية. كما أظهرت التحقيقات أيضاً أن الشركة التي استخدمها الموساد كواجهة لتفخيخ وإرسال أجهزة النداء (البيجر) التي انفجرت بعناصر الحزب في أيلول 2024 وتسببت بنحو 3000 إصابة، عملت جزئياً من الأراضي البلغارية.

وقد أُبلغ السفير البلغاري بهذه المعطيات من قبل شخصية أمنية رفيعة، إلا أنه تعامل معها بطريقة مستفزة وبعيدة عن أي إطار دبلوماسي.

وعلى الرغم من إبلاغ وزارة الخارجية بهذه التطورات، لم يُتخذ أي إجراء بحق السفير البلغاري، ولم يتم استدعاؤه أو التواصل مع بلاده لوضعها في صورة الضرر الذي تسببت به.

عبد الله قمح - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا