درع الناتو في الأناضول.. استراتيجية أنقرة لتجنب "فخ الحرب" الإيرانية
في ظلّ الحرب والتقلّبات.. ذهب لبنان: خطّ أحمر أم فرصة ضائعة؟
تُسجّل أسعار الذهب مستويات قياسية تاريخية وغير مسبوقة أخيراً. وتأتي تطوّرات الحرب في الشرق الأوسط لتُفاقم تقلبات أسعار الملاذات الآمنة وتزيد حدّة تذبذبها. وهو ما يُعيد إلى الواجهة الحديث عن احتياطي الذهب في لبنان، الذي يملك واحداً من أكبر احتياطيات الذهب في المنطقة، لكنّ الربح المسجّل اليوم على احتياطي الذهب هو في الواقع ربح على الورق فقط. فهل أضاع لبنان فرصة "ذهبية" لاستثمار الذهب ومراكمته عبر اعتماد سياسة منع المسّ به؟ وهل كان يمكن أن يشكّل خشبة خلاص؟
تنقسم الآراء بين من يعتبر أنّه آن الأوان لاستخدام احتياطي الذهب وبين من يرى أنّ المساس به يُعدّ مغامرة غير محسوبة في بلد يفتقد للثقة ولأيّ شبكة أمان. في هذا السياق، يلفت عضو لجنة الاقتصاد النائب رازي الحاج، في حديثٍ لموقع mtv، إلى أنّ أزمة لبنان ليست فعليًّا في موجوداته أو المخاطر المرتبطة بها، بل في إدارة السياسة النقدية والمالية وبالاستراتيجية المالية والنقدية للدولة.
يعتبر الحاج أنّه يجب التفكير في كيفية الاستفادة من احتياطي الذهب كي يشكل ضمانة لاستقرار نقدي ومالي، قائلاً: "أعتقد أنّه لا مانع لاستثماره أو استخدامه كضمانة في استثمارات معينة ذات طابع سيادي طويل الأجل، ولكن كل ذلك يبقى رهن البحث وبحاجة إلى رؤية، إذ بعيداً عن أي رؤية واستراتيجية واضحة سيُعرض استخدامنا للذهب الاحتياطي للخطر، وسيُهدر الذهب كما هُدرت الأموال".
من بين ما يُطرح من أساليب الاستفادة من الذهب هو التوجه نحو التّحوط بالذهب فما هي هذه الآلية وكيف يمكن ان تُساعد لبنان في ادارة هذا الأصل، وهل يملك لبنان أي جهة واضحة مهمتها ادارة الذهب وحسن استعماله؟
التحوّط لا يعني بيع الذهب
أيّ تراجع قد تشهده أسعار الذهب قد يبدّد الأرباح "الورقية" التي حقّقها لبنان، تماماً كما حصل بعد هبوط السعر إلى حدود 4500 دولار. لذلك، يرى الخبراء أنّ التحوّط قد يشكّل وسيلة لحماية هذه الثروة وصون جزءٍ من أرباحها.
لأن الأسواق تشهد في الوقت الراهن تقلبات كبيرة نتيجة الحرب الحالية وما يترتب عليها من تداعيات تؤدي إلى تذبذب الأسعار، يعتبر الاقتصادي وليد أبو سليمان أنّه "من الأفضل لحماية محفظة الذهب لدى مصرف لبنان أن نلجأ إلى استراتيجيات التحوط".
ويشرح لموقع mtv أنّ ذلك يعني أن نقوم بشراء أدوات مالية تتيح لنا تجنب تكبد خسائر، وفي الوقت نفسه تثبيت أرباحنا مقابل دفع "رعبون" لا تتجاوز كلفته 10 مليون دولار. "بهذه الطريقة، نكون قد حمينا المحفظة من تقلبات قد تصل إلى مليارات الدولارات. فلبنان يمتلك نحو 9 مليون و300 ألف أونصة من الذهب، وكل تقلب في السوق بقيمة 100 دولار قد يتسبب في خسارة تبلغ مليار دولار".
والتحوط لا يعني البيع أو التفريط بالأصل الاستراتيجي، بل استخدام أدوات الأسواق المالية (مثل الـOptions) لحماية جزء من المكاسب المتراكمة في الميزانية وفرض حد أدنى للقيمة. هذا يخلق سيولة محمية ويعكس انضباطا في إدارة المخاطر كما هو متبع في إدارة المحافظ والاحتياطيات.
بين الضمان والمخاطر
من جهته، يلفت الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة إلى أنّه تاريخيًّا يُنظر للذهب في لبنان كضمانة للأجيال المستقبلية لكن النظرية الاقتصادية الحديثة تراه بغير زاوية. فالاقتصادات المُتطوّرة تستخدمه كأداة ائتمانية. ويشرح لموقع mtv أنّ التقنيات المعتمدة اليوم هي: مقايضة الذهب (Gold Swaps) وهي الطريقة الأكثر شيوعاً بين المصارف المركزية، استخدام الذهب كضمانة للقروض (Collateral)، تأجير الذهب (Gold Leasing)، والتوريق (Tokenization) وهي فكرة حديثة بدأت تطرح في الأوساط المالية المبتكرة.
يمنع القانون الصادر عام 1986 المس بالذهب بشكل مباشر أو غير مباشر. ويرى البعض أن حماية الذهب تعني إبقاءه بعيداً عن أيدي السلطة السياسية، و"هو منطق مشروع نظراً لانعدام الثقة"، وفق ما يقول عجاقة، مضيفاً: "اقتصادياً، التجميد المطلق في وقت الأزمات يعرّض الدولة لمخاطر أكبر فاستمرار الإنهيار يُعرّض الدولة اللبنانية لدعاوى دولية قد تؤدي في النهاية إلى الحجز على أصولها بالخارج، ومنها الذهب المودع في نيويورك والذي يشكل ثلث الإحتياطي. كما أن استمرار الأزمة يُعرّض لبنان إلى أخطر من ذلك وهو تآكل رأس المال البشري".
لماذا لم يتم استخدام الذهب إذاً؟ يُجيب عجاقة: "الإشكالية مزدوجة، فمن جهة هناك انعدام للثقة، وبالتالي أي عملية مقايضة أو رهن للذهب كانت ستثير الشك والرعب نظراً للتجارب السابقة المريرة مع تبخر الاحتياطيات النقدية. ومن جهة أخرى إذا رهن لبنان ذهبه وفشل في القيام بإصلاحات اقتصادية، لكان الذهب قد صودر من قبل البنوك الدولية، ما يعني خسارة هذه الثروة الوطنية للأبد".
من يقرّر مصير الذهب؟
الذهب الموجود في مصرف لبنان هو جزء من ممتلكات المصرف وقد تمّ شراؤه ليكون من الأصول، وفق ما تؤكّد مصادر في مصرف لبنان، مشيرة إلى أنّ الذهب لم يكن بأي مرحلة من المراحل جزءاً من الملفات التي قد تكون قابلة للتداول أو الاستثمار لأنّ ذلك يحتاج إلى قانون من مجلس النواب وأي خطوة لها علاقة بالذهب يجب أن تمرّ أوّلاً بقانون في مجلس النواب وقرار من المجلس المركزي لمصرف لبنان.
المجلس المركزي لمصرف لبنان هو الجهة التي تتخذ القرارات داخل مصرف لبنان، فإذا كنا سنتخذ أي قرار في ما يخصّ الذهب فإنّه سيكون بناء على طلب يوجه من قبل المجلس المركزي إلى مجلس النواب أو وزير المالية والأخير يحوله إلى طلب من الحكومة إلى البرلمان، ويجب أن يُعدل القانون وفق خطة واضحة تحدّد كيفية التصرف به.
إذاً، هل توجد جهة تدير الذهب كثروة؟ وهل من سياسة تحوّط؟ تُجيب المصادر عبر موقع mtv: "لا، وذلك لسبب بسيط هو أن لبنان لا يعتبر الذهب ثروة قابلة للتداول، لأن التعامل معه كأصل أو ثروة قابلة للتداول يعني أنّه عرضة للربح والخسارة، وهو أمر محظور قانونيًّا فالمعدن الأصفر يعتبر موجودات يمنع المسّ بها".
سياسة التحوط تعني أنه يتم التعامل مع الذهب على أنّه أصل يتم استثماره ولهذا يجب حمايته، ولكنّنا في لبنان لسنا بحاجة إلى ذلك لأنّنا نحمي الذهب عبر منع المساس به "وبالتالي لا داعٍ لمثل هذه السياسة"، وفق المصادر، التي تُشير إلى أنّه يتم إنشاء سياسة تحوّط عندما تحدّد آلية استثمار أو استخدام الذهب ويتم اختيارها لتناسب وتتوافق مع طريقة استخدامه وإلا تكون من دون أي جدوى.
تجارب ناجحة
لم يسبق للبنان أن استخدم الذهب، ولكن لا بدّ للدولة من الاستفادة من تجارب ناجحة لدول أخرى لم تبقِ الذهب في الخزائن.
ففي تجربة لافتة يمكن التوقف عندها، تعاملت تركيا مع احتياطي الذهب بوصفه أداة مالية نشطة وليس مجرد أصل جامد محفوظ في الخزائن، عبر سياسات قادها البنك المركزي التركي خلال العقد الأخير.
فمنذ عام 2011، أطلق البنك المركزي آلية سمحت للمصارف باستخدام الذهب لتلبية جزء من متطلبات الاحتياطي الإلزامي بدلًا من النقد الأجنبي، ما شجّع المواطنين على إيداع الذهب المخزّن في المنازل داخل النظام المصرفي، لينتقل بذلك الذهب المحفوظ "تحت الوسائد" إلى احتياطي رسمي من دون الحاجة إلى شراء كامل الكميات من الأسواق الدولية.
كذلك استغلت أنقرة فترات تراجع الأسعار العالمية لتعزيز مشترياتها، ورفعت حصة الذهب في احتياطها بهدف تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار، بما يخفف مخاطر التوترات الجيوسياسية ويؤمّن تحوّطًا في وجه التضخم.
ولم تكتفِ بذلك، بل أعادت جزءًا من ذهبها المودع في الخارج إلى الداخل تعزيزًا للسيادة على الأصول، واستخدمت في مراحل معينة جزءًا منه كأداة سيولة لدعم احتياط العملات الأجنبية أو تحسين ميزان المدفوعات، قبل أن تعاود تكوينه لاحقًا.
إلى جانب تركيا، لم تتعامل مصر مع الذهب على أنّه "خط أحمر"، إذ اتبعت سياسة مرنة في التعامل معه ركّزت فيها على الشراء وفق دورات السوق والاستفادة من ارتفاع الأسعار عالميًّا لدعم الاحتياطيات.
ووفق بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع احتياطي الذهب بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية، سواء من خلال جمع كميات إضافية عبر شراء أونصات منتظمة، كما حدث في عام 2025 حين أضاف المركزي نحو 79,600 أونصة إلى احتياطاته، ما ساهم في زيادة قيمة الاحتياطي إلى مستويات قياسية وصلت أكثر من 18 مليار دولار نتيجة ارتفاع أسعار الذهب في الأسواق العالمية، وليس فقط زيادة الكمية المخزنة.
هذا الاعتماد على التراكم التدريجي تماشى مع موجات ارتفاعات السعر العالمية، فحين صعدت أسعار الذهب خلال فترات معينة، ارتفعت قيمة الاحتياطي حتى مع ثبات الكمية الفعلية، ما ساعد في دعم الاحتياطي الدولي للبلاد مقابل تقلبات العملات الأجنبية.
وبذلك، لم تعتمد مصر على بيع الذهب في فترات الارتفاع، بل وظّفته كأداة تحوّط وراكمت كميات إضافية عندما كان السوق مناسبًا واستفادت من مكاسب الأسعار لتعزيز الاحتياطي الكلي.
"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".
لارا أبي رافع -mtv
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|