تحذير سالم زهران: ما بعد الحرب أخطر- ما سيجري بين سوريا والسعودية مفاجئ- الشرع الى لبنان؟
من جزيرة خرج إلى محطات التحلية: حرب تضرب شرايين الحياة في الخليج
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بحجم الجيوش أو حدود الجغرافيا وحدها، بل باتت تدور حول ما هو أكثر حساسية: شرايين الحياة نفسها. ففي الخليج اليوم تتكشف معادلة صراع جديدة، حيث يُقصف النفط في جزيرة "خرج" الإيرانية، فيما تُستهدف منشآت المياه التي يعتمد عليها ملايين البشر في دول الخليج. وبين النفط الذي يغذي الاقتصاد العالمي والماء الذي يضمن بقاء المجتمعات في واحدة من أكثر مناطق الأرض جفافًا، تتحول البنية التحتية للحياة إلى ساحة مواجهة خطيرة.
جزيرة خرج ليست مجرد قطعة أرض في الخليج العربي، بل القلب الذي ينبض عبره النفط الإيراني نحو الأسواق العالمية. فمن مرافقها الضخمة تمر غالبية صادرات إيران النفطية عبر خزانات عملاقة وأنابيب تمتد من الحقول إلى المرافئ حيث تنتظر الناقلات طريقها إلى العالم. تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 85 إلى 90 في المئة من صادرات النفط الإيراني تمر عبر هذه الجزيرة، أي نحو 3.5 إلى 4 ملايين برميل يوميًا، ما يجعلها أحد أهم مفاصل الطاقة في المنطقة. لذلك فإن قصفها من قبل الولايات المتحدة لا يُعد مجرد عملية عسكرية محدودة، بل رسالة استراتيجية تضرب مباشرة شريان الاقتصاد الإيراني. أي تعطيل أو تهديد لهذه المنشآت يضع نظام إيران تحت ضغط اقتصادي هائل، كما ينعكس فورًا على أسواق النفط العالمية، إذ أن أي نقص في الصادرات الإيرانية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بسرعة ويزيد من تقلب الأسواق، خاصة في ظل هشاشة التوازن بين العرض والطلب.
قبل قصف جزيرة "خرج"، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة على تويتر تهديدًا صريحًا بضرب الجزيرة إذا استمر الحرس الثوري الإيراني في إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، وهو تهديد تحول لاحقًا إلى فعل على الأرض. المسافة بين جزيرة خرج ومضيق هرمز تبلغ نحو 483 كيلومترًا، فيما تقع الجزيرة على بعد 25–30 كيلومترًا فقط من الساحل الإيراني، ما يجعلها أقرب نقاط النفط الإيراني الهشة إلى الممر الملاحي الذي يمر عبره نحو خُمس النفط البحري العالمي. هذا القرب الجغرافي يوضح السبب في أن الضربة لم تكن مجرد رسالة عسكرية، بل استهداف مباشر لنقطة حساسة تتحكم في تدفق النفط العالمي وأمن الملاحة البحرية في الخليج.
لكن النفط ليس وحده ما يحدد توازنات المنطقة. فالمياه في الخليج ليست نعمة طبيعية متوافرة، بل مورد يُصنع يوميًا عبر محطات تحلية مياه البحر. هذه المنشآت، المنتشرة على السواحل، تُحوّل مياه الخليج المالحة إلى مياه صالحة للشرب، وتُشكل المصدر الرئيسي للمياه التي تعتمد عليها المدن الخليجية. وتكشف الأرقام حجم الاعتماد الكبير، فالكويت تؤمّن نحو 90 إلى 95 في المئة من مياه الشرب عبر التحلية، بينما تعتمد قطر على هذه التقنية بنسبة تقارب 90 في المئة، وفي الإمارات تتراوح النسبة بين 80 و90 في المئة. أما سلطنة عُمان فتبلغ نحو 85 إلى 86 في المئة، في حين تعتمد البحرين على التحلية بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المئة. وتأتي المملكة العربية السعودية ضمن أكبر الدول اعتمادًا على هذه التقنية، إذ تؤمّن ما يقارب 60 إلى 70 في المئة من مياه الشرب عبر التحلية، وهي في الوقت نفسه أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم. هذه الأرقام تُظهر حقيقة لافتة: الماء في الخليج مورد صناعي يعتمد على الطاقة والتكنولوجيا، ولا توجد بدائل طبيعية كافية، وأي تعطّل لمحطات التحلية حتى لفترة قصيرة يمكن أن يؤدي إلى أزمة مياه حادة خلال أيام قليلة تؤثر على ملايين السكان.
حساسية هذه المنظومة تكمن في أن محطات التحلية تعتمد بشكل مباشر على الطاقة، وغالبًا ما تكون مرتبطة بمحطات الكهرباء أو منشآت النفط والغاز. وهذا يجعل الماء والطاقة جزءًا من منظومة واحدة: إذا تعطلت الطاقة، تتوقف القدرة على إنتاج المياه، ويصبح الاستقرار السكاني معرضًا للخطر. وما يجري اليوم في الخليج يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الصراعات الحديثة، وهو ما يسميه خبراء الاستراتيجية "حرب البنية التحتية". ففي هذا النوع من الحروب، لا يكون الهدف احتلال الأراضي بقدر ما يكون الضغط على مفاصل الحياة التي تقوم عليها الدول. استهداف جزيرة "خرج" يعني ضرب شريان القوة الاقتصادية، بينما ضرب محطات التحلية يعني ضرب الحياة اليومية للمجتمعات نفسها. المنشآت التي تحرك الاقتصاد وتؤمن الحياة أصبحت اليوم أهدافًا استراتيجية أساسية، وأي ضربة لها تمثل اختبارًا لأمن الطاقة والمياه في المنطقة.
في الخليج، النفط يصنع القوة الاقتصادية، والماء يصنع البقاء. جزيرة "خرج" تمثل شريان النفط الذي يغذي الاقتصاد الإيراني، بينما تمثل محطات التحلية شريان الماء الذي يعتمد عليه ملايين السكان. وبينهما تتشكل صورة الصراع الحديثة: حماية البنية التحتية ليست رفاهية، بل مسألة أمن قومي حقيقي. قد تُضرب المنشآت النفطية ويعاد بناؤها، لكن حرمان البشر من الماء يفتح باب أزمة أخطر بكثير. في هذه المنطقة، النفط يصنع القوة، لكن الماء يصنع البقاء نفسه، وأي اضطراب في هذين الموردين الحيويين له تأثير مباشر وفوري على استقرار المنطقة والأسواق العالمية.
بولا أبي حنا - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|