طائرة فرنسية لإجلاء نعيم قاسم
أصبحت نهاية الأمين العام لـ"حزب الله" بندًا على جدول أعمال المرحلة الراهنة. تحدث الشيخ نعيم قاسم بنفسه يوم الجمعة الأخير عن هذا البند لكنه أخذه في اتجاه خارج السياق المطروح. فعندما تناول قاسم التهديدات الإسرائيلية باغتياله ولاسيما تلك التي أطلقها وزير الدفاع يسرائيل كاتس، رماها قاسم على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وصنع منها "رواية" تفيد علو كعب الراوي الذي ما عرف عنه في تاريخه انه آت من ميادين القتال.
في أي حال، إن حصر التهديدات بنتنياهو يفيد بعلو مقام من جرى تهديده. غير أن للامور وجوهًا أخرى تتعلق بمصير قاسم. ويتصدر هذه الوجوه بدء الحديث عن مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل سيأخذ وقتًا حتى تتضح معالمه. ويفيد وجه آخر أساسي أن "حزب الله" سيكون خارج المفاوضات كما كان حال "حماس" في غزة التي يمضي قطار "مجلس السلام" هناك الى أهدافه وليس من ركابه من شتى أقطار العالم من يحمل صفة ممثل للحركة التي حكمت القطاع عقودًا قبل أن يغرق هذا الحكم في طوفان يحيى السنوار بدءًا من 7 تشرين الأول 2023.
أطل الأمين العام للحزب في "يوم القدس" الإيراني الذي يصادف يوم الجمعة الأخير من رمضان والذي كان في 13 الشهر الحالي. اكد قاسم في كلمته أن مواصفاته تنطبق عليها صفات الجناح العسكري والأمني الذي قررت الحكومة في قرارها في 2 آذار الحالي حلّه. وتفيد مراجعة كلمة قاسم الأخيرة بأنه يتصرف كقائد لهذه الميليشيا التي أصحبت خارج القانون، ولم يتحوّل إلى مسؤول لحزب سياسي يجب أن يصير اليه "حزب الله" .
يرى خبراء في تاريخ هذه المنظمة التي أسسها الحرس الثوري الإيراني في منتصف ثمانينات القرن الماضي أن تكوين "حزب الله" العسكري يتقدم على أي من مكوناته الأخرى التي اكتسبها منذ عقود. ويأتي البرهان على هذا الرأي من شخصية الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله الذي وصل الى ما وصل اليه من قيادة انطلاقا من مؤهلاته العسكرية والأمنية، بينما غلبت ولا تزال على قاسم مؤهلاته التنظيرية.
في موازاة ذلك، ينطلق تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ العام 1979 عندما عاد الإمام الخميني مظفرًا من منفاه الباريسي وسط ثورة عارمة متعددة الألوان خطفها لاحقا لون التيار الديني الأسود الذي قاده الخميني. لكن الأخير لم يكن يومًا مقاتلًا عرف دروب السلاح. واستطاع الخميني في مرحلة معقدة تجلت بالحرب العراقية الإيرانية أن يتخذ قرارًا لا عسكريًا قال فيه عبارته الشهيرة "أني كمن يتجرع السم" واصفا بها قبوله اتفاق وقف الحرب.
وفي المقابل، لم يستطع خامنئي ان يسلك درب سلفه وقرر أن يمضي حتى النهاية في موقف عقائدي لتغليب القرار العسكري بمواصلة قتال الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حتى لقيَ حتفه في 28 شباط الماضي.
نستطيع عند نقل الصورة الى لبنان، أن نتبيّن أن "حزب الله" على خطى خامنئي وجموده الذي قتل نصرالله ويهدد قاسم بمصير مماثل. قال كثيرون من الذين واكبوا رحلة نصرالله حتى نهايتها، إنه كان قادرًا على إنجاز تسوية تتضمن "تجرّع السم" بما يحفظ لبنان من الاهوال التي توالت منذ حرب 2006 الى عام 2023 . لكن تبيّن ان نصرالله من طينة خامنئي الذي صب القالب الذي انتج نصرالله.
نصل الى مرحلة يتجاور فيها القتال والحديث عن المفاوضات. ويتضح من جدول الاعمال المقترح لهذه المفاوضات الذي سيقرر مصيرها الإسرائيلي انطلاقا من ميزان القوى، أن "حزب الله" لا وجود له من الآن فصاعدًا في لبنان حتى ولو بدا أن الأمر افتراضي حتى اللحظة. واحتاطت الدولة اللبنانية لهذا المطب مسبقا بأن حذفت من قاموسها أي وجه أمني أو عسكري للحزب. وإذا ما أراد الأخير ان يتصرف كطرف سياسي فهذا امر متاح اذا ما وافق "حزب الله". لكن نعيم قاسم قال الجمعة ان الحزب فريق امني وعسكري وماض حتى النهاية في مواجهات الخراب والدمار.
تطل فرنسا في هذه المرحلة كطرف يحظى بتغطية واسعة كي تقوم بدور في المفاوضات المرتقبة بين بيروت وتل ابيب. ووزعت السفارة الفرنسية أمس تعليقا كتبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة "أكس" تناول فيه مباحثات اجراها الجمعة مع الرؤساء عون وسلام، وبري. وقال: "أبدت السلطة التنفيذية اللبنانية استعدادها للدخول في محادثات مباشرة مع إسرائيل. وينبغي أن تكون جميع مكوّنات البلاد ممثَّلة فيها."
وجست وكالة الصحافة الفرنسية الممثلة لمصالح الدولة الفرنسية نبض "حزب الله" من هذه المحادثات بدلا من الحرب. فنقلت عن مصدر في الحزب قوله: "دخل الحزب الحرب بكل ما يملك. فإما أن ينتهي، وإما أن يكرّس معادلة جديدة تقضي بانسحاب إسرائيل بالكامل من لبنان ووقف اعتداءاتها".
وأوضح أن الحزب اتّخذ قرار خوض الحرب منذ أشهر، وكان ينتظر متغيراً إقليميًا، وجده في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، لأنه يعلم جيداً أنه بغضّ النظر عن نتيجة تلك الحرب، فإن دوره سيحين ولن تتردد إسرائيل في شن حملة واسعة ضده".
وأكد المصدر أن الحزب "استوعب الصدمات بعد الحرب السابقة، عضّ على جروحه، سدّ الثغرات وأعاد تنظيم صفوفه، وهو يخوض اليوم المعركة التي أعدّ لها ويقول إنه قادر على الصمود" في وجه إسرائيل.
يستفاد من نص وكالة الصحافة الفرنسية ان "حزب الله" اصبح ورقة غير مناسبة اطلاقا لمرحلة ما بعد الحرب الدائرة. ويجري حاليًا اعداد الورقة الشيعية التي تحل نهائيًا مكان "حزب الله". واتت في هذه السياق إشارة ماكرون في تغريدته الأخيرة الى انه "ينبغي أن تكون جميع مكوّنات البلاد ممثَّلة" في المحادثات المباشرة مع إسرائيل.
لا يختلف إثنان على ان بري سيكون البديل الذي سيقوم بالخطوة اللازمة كما فعل فريقه الوزاري في جلسة آذار فأيد قرار تجريد "حزب الله" من أي صفة أمنية وعسكرية.
وسيتعيّن على باريس ان تحضّر منذ الآن خطة إجلاء قيادة "حزب الله" الرافضة للحل السياسي عن لبنان عندما يتبيّن ان لا مناص من هذا الاجلاء، وخصوصًا أن الشيخ نعيم قاسم الذي تفيد كلمته الأخيرة بأنه ليس من طلاب الشهادة كما فعل نصرالله بل من طلاب "تجرع السم" كما فعل الخميني لكنه غير قادر على ذلك. وعليه، سيكون مشهد قاسم في داخل طائرة فرنسية تنقله الى المنفى شبيهة بالطائرة التي نقلت الخميني من منفاه. سنقول عندئذ ان التاريخ يعيد نفسه ولو بالمقلوب.
أحمد عياش -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|