الصحافة

التخلّص من "غسل دماغ" المُناصرين... أصعب من سحب سلاح "الحزب"!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

صحيح أنّ مهمّة سحب سلاح "​حزب الله​" صعبة ومُعقّدة وحسّاسة، لكنّ الأصحّ أنّ التخلّص من "غسل الدماغ" الذي طال البيئة الحاضنة للحزب على مدى أكثر من أربعة عُقود أصعب من سحب السلاح بحدّ عينه. والمُشكلة أنّه لا يمكن إطلاقًا إقناع "الحزب" أو مُناصريه، بالتخلّي الطَوعي عن السلاح، طالما عقيدته القتالية مُترسّخة بشدّة في الأذهان. فكيف بُنيت هذه العقيدة الصلبة، وما العمل اليوم؟.

منذ دُخول أولى طلائع "​الحرس الثوري الإيراني​" إلى ​لبنان​، وتحديدًا إلى البقاع في العام 1982، بدأت عملية تغيير مُمنهجة متكاملة لعقلية البيئة الشيعيّة في لبنان. وهذا النهج تواصل في السنوات التي تلت نهاية الحرب اللبنانية مطلع تسعينات القرن الماضي، وزاد انتشارًا وترسّخًا في العقدين الأخيرين، مع تصاعد نفوذ وانتشار "الحزب" ضِمن البيئة الشيعية، عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، وتبنّيه "ولاية الفقيه" وانخراطه في ولاء مُطلق لمشروعات "​الجمهورية الإسلامية الإيرانية​" للمنطقة. وفي هذا السياق، يُمكن التوقّف عند النقاط التالية:

أوّلًا: عملية ترسيخ العقيدة القتالية لم تتمّ عبر "غسل دماغ" سحري، بل جرت رويدًا رويدًا على مدار سنوات وعقود طويلة، كانت الأموال الإيرانية تُغدَق خلالها على "حزب الله" الذي تمكّن من إقامة بنية هيكليّة متكاملة، بموازاة البنية التحتية للدولة اللبنانية. فصار "الحزب" يُدير مؤسسات ماليّة، ومراكز تربوية وصحّية وخدماتية وغيرها، استفاد منها الكثير من الناس بشكل مباشر، ناهيك عن دفعه رواتب منتظمة لمحازبيه، ومُساعدات مالية وماديّة حسّية لعائلاتهم، ولأهالي المتوفّين منهم، إلخ. وبالتالي، صار "الحزب" الجهة المالية التي تؤثّر مباشرة في معيشة مئات آلاف المواطنين الذين لا يمكنهم الخروج من هذه الوضعيّة من دون خسارة الكثير من الأموال والمُساعدات المتاحة لهم.

ثانيًا: جعل "الحزب" تركيز وسائل إعلامه على الترويج للفكرة الإيرانية التي تُشدّد على ضرورة إزالة ​إسرائيل​ من الوجود، وعدم إمكان عقد التطبيع معها، مُركّزًا على نوايا إسرائيل العدوانية وأحلامها التوسّعية ونهجها في القتل والتدمير. فأسقط عمدًا حقيقة قيام مصر والأردن المجُاورتين للأراضي الإسرائيلية، بالعيش في حال هدنة مع إسرائيل، من دون أي مشاكل تُذكر بين البلدين، على امتداد عشرات السنوات انطلاقًا من مبدأ عدم الإعتداء المتبادل. وأسقط عمدًا حقيقة مفاوضات "الأرض في مقابل السلام" التي كانت بدأت في مؤتمر مدريد سنة 1991، واستمرّت بتقطّع على مراحل عدّة، والتي وافق عليها الفلسطينيّون أنفسهم مُمثّلين ب​منظمة التحرير الفلسطينية​، قبل أن تشقّ إيران صُفوفهم وتدعم وتموّل حركة "حماس". هذه المفاوضات التي كاد أن يوافق عليها الرئيس السوري الراحل ​حافظ الأسد​ أيضًا، قبل أن يحول الخلاف على مياه بحيرة طبريه، معطوفًا على اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين على يد اليمين الإسرائيلي المُتطرّف، دون استكمال توقيع اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل، واستطرادًا بين هذه الأخيرة ولبنان الذي لم يكن يملك في حينه أي قرار مُستقل بحكم خُضوعه لمشيئة الاحتلال السوري آنذاك!

ثالثًا: أقنع "الحزب" قسمًا كبيرًا من ​شيعة لبنان​، من خلال مناهجه التعليمية كافة، بدءًا بتلك الدينية العقائدية، وُصولًا إلى تلك المدرسية العادية، أنّ سلاح "الحزب" هو الوحيد الذي يحمي قراهم وبلداتهم، وأنّ سلاحه هو الذي يُمثّل عزّتهم وكرامتهم، وهو الذي يصون أمنهم وعرضهم، ومن دونه حياتهم كلّها ستكون بخطر ليس من الإسرائيلي فحسب، بل من جهات أخرى مثل الجهات الحاكمة في سوريا اليوم، وحتى من بعض لبنانيّي الداخل!

رابعًا: استفاد "الحزب" من الانسحاب الإسرائيلي العشوائي الذي نُفّذ في 25 أيّار من العام 2000، بأوامر من رئيس الوزراء ا|لإسرائيلي آنذاك ​إيهود باراك​ الذي لم يكن يريد تعرّض قواته لمزيد من الاستنزاف، خاصة وأنّ ما كان يُسمّى "​جيش لبنان الجنوبي​" فشل في الوقوف بوجه هجمات مقاتلي "الحزب". فرسّخ فكرة ضعف إسرائيل والقدرة على الانتصار عليها بسهولة في صُفوف مناصريه، وهو تفكير تَعزّز بعد حرب العام 2006، والتي تفوّق خلالها صاروخ "كورنيت" المُضاد للدروع على دبابة "ميركافا" الإسرائيلية، لتنتشر بعد ذلك مقولة "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت" الشهيرة. وبالتالي، صار التمسّك بالسلاح، مرتبط في جزء منه، بالرغبة بالشعور بالانتصار والتفوّق.

خامسًا: استغلّ "الحزب" ضعف تجهيزات الجيش اللبناني من الأسلحة والمعدات، للترويج أنه عاجز عن حمايتهم، بعكس مقاتلي "الحزب" المزوّدين بما يلزم من أسلحة لمقاومة الاحتلال. وغَضّ النظر عن تنامي الرغبة بالخروج على القوانين والأنظمة في المناطق التي تُشكّل ثقله الشعبي، بحيث صار حُضور الدولة مرادفًا لمنطق فرض الضرائب والرسوم ومكافحة المخالفات وتوقيف المطلوبين، بدلًا من أن تكون رمزًا للحماية والشُعور بالأمان ولسلطة القانون التي لا تميّز بين المواطنين.

في الختام، وانطلاقًا من كل ما سبَق، يُمكن تفهّم الولاء الأعمى المُطلق الذي يُبديه قسم كبير من شيعة لبنان إزاء "حزب الله"، وانتقادهم اللاذع لقرارات الحكومة اللبنانية بخصوص سلاحه. ويُمكن تفهّم رفض هؤلاء التام لأي مُحاولة من جانب الجيش اللبناني للمسّ بهذا السلاح. وبالتالي المُطلوب من السُلطة السياسية الشرعية في لبنان العمل أوّلًا على مُساعدة البيئة الحاضنة للحزب، على التخلّص ممّا جرى ترسيخه في ذهنها من مخاوف ومن اعتقادات حتى تُصبح فكرة سحب السلاح أكثر قبوًلا، شأنها شأن مسار عودة هذه الفئة من اللبنانيّين إلى كنف الدولة والشرعية، ليُفتح حينها الباب أمامها، لتعيش حياة طبيعية مستقرّة، بعيدًا عن الموت والتدمير والتهجير والنزوح بوتيرة مستمرة.

ناجي البستاني- النشرة

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا