نتنياهو الذي يريد محو عاره بنار تحرق الإقليم
لا يمكن مقارنة ما تقوم به إسرائيل في المنطقة منذ عامين ونصف عام، بأيّ من حروبها السابقة. الأمر يتصل ضمناً بأن القوى المقاومة لاحتلالها، تعاظمت شعبياً وسياسياً وعسكرياً. وكانت لها ذروة كبيرة في 7 أكتوبر عندما شنّت حركة «حماس» عمليتها المجيدة باسم «طوفان الأقصى». لكنّ الحروب التي تخوضها إسرائيل منذ ذلك اليوم، تعيد إلى الاعتبار المفهوم التأسيسي لكيان الاحتلال.
وهو مفهوم يقوم على إزالة كل تهديد، مهما كان نوعه أو حجمه أو طبيعته. وعقيدة جيش الاحتلال، تقول إن الناس، هم مصدر الخطر، وعندما يشيرون إلى الناس، لا يمنحون أحداً الوقت للتمييز بين الناس. ذلك أن العقلية الإسرائيلية لا تزال تنظر إلى عرب الداخل على أنهم الأعداء الأكثر خطورة، وهي تحلم طوال الوقت في حيلة أو عذر لإخراجهم بعيداً عن أرضهم.
من العناصر الثابتة في مركز القرار الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر، يقف رجل واحد، اسمه بنيامين نتنياهو. كل الآخرين يتغيّرون. وزراء حرب وقادة أجهزة أمنية ورؤساء أركان وقادة أسلحة وأذرع في الجيش، إضافة إلى مدراء وفاعلين في مؤسسات الكيان. كل شيء يتغيّر يوماً بعد يوم.
لكنّ الرجل الثابت هو بيبي، والذي لا يحظى فقط بدعم كتلة كبيرة من العقل الجمعي للإسرائيليين، وحتى لقسم كبير من يهود العالم، بل هو يحظى بتقدير خاص عند ساكن البيت الأبيض. وعندما وصل دونالد ترامب إلى السلطة من جديد، توسّعت الخيمة الأميركية فوق بيبي، وصار بمقدوره الحديث عن دوره كشريك فاعل في صنع سياسات أميركا الخاصة بالشرق الأوسط، وحتى بالإقليم الممتدّ صوب أفريقيا غرباً وآسيا الوسطى شرقاً.
ونتنياهو الحائر دوماً، والهارب طوال الوقت من محاكمات وفضائح يتّكل ضمناً على الكتلة الأكثر تطرفاً من الناحية الدينية. هو لا يحتاج إلى هؤلاء في حزبه، بل على العكس، هو يفضّل أن يبقى هؤلاء حيث هم في أحزاب وجماعات قابلة للتفكّك متى تطلّب الأمر. يضحك بيبي وهو يستمع إلى مجانين مثل بن غفير وسموتريش، لكنه مقتنع بما يقوله الرجلان. وهو عملياً، يعيش في هذه الفترة، كأنه الفتى الذي كان يستمع يومياً إلى محاضرات والده بنتسيون نتنياهو يتلو عليه تعاليم المعلم الأكبر زئيف جابوتنسكي.
في كل ما حصل منذ عامين، لا علاقة له بالتخطيط الاستراتيجي. ولا حتى بالقوة الاستثنائية التي تملكها إسرائيل، والتي تتكوّن أساساً من قوة الولايات المتحدة الأميركية، المالية والعسكرية والتقنية. بل كل ما يحصل، هو أن رجلاً شريراً، يبيح كل شيء من أجل قتل الخصم، وليس من أجل تحييده أو معاقبته أو احتوائه. هو في الأصل لا يقيم وزناً أو قيمة لكل «الآخر»، بمن في ذلك كبار السياسيين في أميركا وأوروبا، ولا يقتصر احتقاره على قادة من العرب وأبناء المنطقة. لكنه يعرف طريقة وحيدة في العمل، قوامها: توفير أكبر كتلة نار ورميها كل الوقت في حضن الأعداء. وغير ذلك، من حلول أو تسويات، ليس إلا هدنة قصيرة قبل أن يعاود الكرّة.
عملياً، هذا هو العدو الذي نقاتله الآن، والسياسة العامة للولايات المتحدة ستكون محل مراجعة حتمية من قبل الأميركيين أنفسهم. فتوقُهم إلى إبقاء السيطرة الاقتصادية والسياسية على العالم، سيفرض عليهم مقاربة من نوع مختلف. وسوف يجدون طريقهم للتخلّص من المجنون الحالي ترامب. لكن، كما في كل تغيير في الإدارة الأميركية، تبقى إسرائيل على صورتها، بمعزل عن هوية قائدها. لكنها مع بيبي، صارت بشكل مختلف. حكمها جنون القوة والعظمة. وهو ما يقودها إلى ما لا تريد تصديقه.
وفي كل جولة من الحروب المفتوحة على كل الجبهات، تبدأ الحملة بمعنويات وسقوف عالية من جانب قوات الاحتلال، لتلحق بها دبلوماسية عامة غربية وعربية ساعية إلى الاستثمار السياسي. وهو ما كان مُقدّراً له في بداية الحرب الواسعة على إيران. وقد وصل الأمر بقادة عرب، إلى الحديث عن أن إيران سوف تنهار خلال يومين إلى ثلاثة على أبعد تقدير.
ومشكلة هؤلاء، ليست في أنهم لا يفهمون تاريخ المنطقة وطبيعة الدول القائمة، بل في أنهم باتوا أسرى نظرية «القوي الذي لا تُردّ له كلمة». وهذا القوي، ليس ترامب كما يظن كثيرون، بل نتنياهو نفسه، فهم يعتبرون أن الرئيس الأميركي يمكن الوصول إلى تسوية معه من خلال صفقة ما، بينما هم لا يعرفون كيفية مراضاة نتنياهو، وهم يراقبون ما الذي يفعله: إبادة في غزة دون مساءلة، حروب مفتوحة ضد لبنان دون رادع، توغّل وضرب في سوريا دون مراعاة لخاطر حليفهم الذي قاد عملية إسقاط نظام الأسد، قصف في قطر لأنها لم تعاقب حركة حماس، وتهديد للجيش المصري من خلال العمل على دفع نصف مليون من أبناء غزة إلى سيناء متى تيسّر له الأمر، وتلويح لتركيا بالمواجهة في حال قرّرت التقدّم نحو الإمساك ببلاد الشام. فيما كان على الدوام، يعمل لأجل توفير عناصر الشراكة مع الأميركيين في ما يعتبره الحرب الحاسمة ضد إيران.
وسط هذه الغابة من الطموحات التي تسكن عقل نتنياهو، ارتفع منسوب الهوس الأمني عنده، فصار يفرض على الدوائر المعنية عنده اتخاذ إجراءات لم يحصل في تاريخ إسرائيل أن اتُّخذت لحماية رئيس حكومة أو أفراد عائلته، وضغط بواسطة كل يهود العالم لأجل الحصول على عفو رئاسي خاص كونه يقود إسرائيل إلى المرتبة العليا في العالم. حتى اقتصادياً، فهو لا يقيم وزناً كبيراً لحجم الخسائر التي تصيب اقتصاد الكيان، فهو واثق من أن الحصاد السياسي لحروبه، سوف يمنحه حضوراً وقوة يتيحان له التعويض عن كل الخسائر، لا بل يفتحان الآفاق أمام توسّع أكبر.
في مقالة له نُشرت في «هآرتس» كتب الون عيدان، عن ما يقوم به نتنياهو، فقال إن الرجل «يحاول التكفير عن أحداث السابع من أكتوبر. بالنسبة إليه، ليس هذا تكفيراً سياسياً، بل هو تكفير تاريخي. فهو يُدرِك تماماً أن المذبحة كُتبت باسمه. من وجهة نظره، السبيل الوحيد لتجنّب أن يُوصم بالعار في كتب تاريخ الشعب اليهودي هو القضاء على التهديدات الوجودية لإسرائيل، وعلى رأسها إيران».
يوم جاء ترامب إلى الكيان وخطب في الكنيست، وطلب إلى رئيس الكيان العفو عن نتنياهو، ظنّ البعض، أن الرئيس الأميركي بدأ يشعر بعبء الرجل، وأنه يريد أن يضمن له تقاعداً في البيت لا في السجن. لكنّ بيبي، المهتمّ بالعفو كل دقيقة، يبدو سائراً في حروب تصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية لإسرائيل، وأنه يحقّق كل نبوءات مثله الأعلى جابوتنسكي، وبهذا المعنى، يعرف الإسرائيليون أنفسهم، وهذا ما يشير إليه عيدان في المقالة نفسها عندما يقول إنه «هكذا ينبغي أن نفهم الحرب الوحشية التي شنّها على غزة، والتي خلّفت عشرات الآلاف من القتلى؛ هكذا ينبغي أن نفهم الأعمال العدوانية ضد حزب الله؛ هكذا ينبغي أن نفهم أيضاً حرب الأيام الاثني عشر ضد إيران والحرب الحالية ضدها. ليس هدف نتنياهو تدمير إيران وحزب الله، بل تدمير العار التاريخي الذي ألحقه الطرفان به».
وبحسب عيدان فإن نتنياهو «تسكنه العظمة التي تقوده في النهاية إلى قصر نظر، وإلى خطأ في التوجيه. إن نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الخاص بنتنياهو معطّل. وهو لا يعلم ذلك. يستمر في تدوير العجلة في الاتجاه الذي تُشير إليه بوصلته الداخلية المعطوبة، والتي تقوده إلى الهاوية».
ثمة نقاش بصوت خافت أو خارج الأضواء، يدور داخل الكيان حول شخصية قائد الدولة الحالي. هذا لا يعني أن المختلفين معه، لديهم رأي آخر في أعداء إسرائيل. لكنهم، يشعرون بقوة، أن النار التي تلف إسرائيل من كل صوب، لن يكون بمقدور أحد إخمادها. فلا غزة نامت على ضيمها، وحزب الله استفاق بأسرع مما توقّع أهله قبل أعدائه، فيما إيران، تفتح الأبواب على نار تلفّ الإقليم كله، وهي نار قد تقود العالم كلّه إلى حيث لا ترغب هذه الأقلية اليهودية التي صار صعباً على أحد تحمّل كلفة حمايتها...
في هذه الأثناء، نعود قليلاً إلى لبنان، إلى حيث الصغار الذين لا يعرفون القيام بأكثر مما يقومون به. يريدون من الناس الاستسلام لأن أميركا أقوى من أن يقاومها أحد، ويريدون الخضوع لإسرائيل لأن نارها كبيرة جداً، لكنهم، يريدون في الوقت نفسه، إشعال النار في بيتهم الداخلي، استجداءً لخارج يأملون أن يخمد النار في غرفتهم فقط، بينما يترك الآخرين يموتون. ومشكلة هؤلاء، أنهم لا يتعلّمون من التاريخ أيضاً. ولا يعرفون أن الحكم بواسطة الخارج، لم يعمّر في لبنان أكثر من عشر سنوات في أفضل الأحوال، وها هم، خلال أقل من عامين، يطيحون بكل فرصة للشراكة الفعلية معهم، بل يفتحون الباب، أمام لا يقين حول مستقبل هذا الكيان، الذي لا يبدو أنه نهائي عند أحد من سكانه!
ابراهيم الأمين -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|