الصحافة

معركة تغيير المعادلات: من المواجهة المحدودة إلى الحرب الكبرى

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد جولة تصعيد عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم التوازنات في الشرق الأوسط بأسره. فمع إعلان حزب الله إطلاق عملية "العصف المأكول"، دخلت المواجهة مع إسرائيل مرحلة مختلفة كلياً، تتجاوز منطق الاشتباكات المحدودة إلى منطق الحرب المفتوحة المرتبطة مباشرة بالصراع مع إيران وبالمعادلات الإقليمية الكبرى. في هذه اللحظة، يتراجع الكلام السياسي إلى الخلف، ويتقدم الميدان ليصبح العامل الحاسم في تحديد مسار الأحداث ومستقبل المنطقة.

مع "العصف المأكول"، دخل حزب الله فعلياً في حرب القاتل او المقتول. حربٌ كان يتحيّن خوضها، سواء بوصفها إسناداً لإيران أو إلى جانبها؛ فالتسمية هنا لم تعد ذات جدوى. كما أن الجدل حول الأسباب والتوقيت، أو تحميل الحزب مسؤولية الحرب الإسرائيلية الراهنة على لبنان، لم يعد ذا معنى. الحزب بات معنياً بشيء واحد: الميدان.

وبحكم الميدان، يمضي الحزب في مسار حربي تصاعدي، لا مكان للمبادرات فيه، ولا حتى للرئيس بري تأثيره كما في السابق بسبب حكومة يعتبرها الحزب "انبطاحية خائنة"

يدرك الحزب الكلفة الباهظة للحرب، والثمن الذي يدفعه البلد وبيئته الحاضنة. غير أن هذه الكلفة، على أهميتها في حساباته، لم تكن كافية لثنيه عن خوض حرب يعتبرها تعويضاً عن خسائر حرب الإسناد الأولى. ومثل إيران، لم يعد مجدياً في حساباته تقدير ثمن الحرب بقدر ما أصبح تقدير ثمن الهزيمة. فبرغم الخسائر، تبدو كلفة القتال أقل من كلفة الركون إلى واقع يُتعامل فيه معه من موقع الضعف، فيما تواصل إسرائيل حرب استنزاف لا تنتهي.

خلال الفترة الماضية، جرى التعاطي مع الحزب، إسرائيلياً وداخلياً، بعقلية المنتصر الذي يرى خصمه مهزوماً ويستعد للإجهاز عليه. في المقابل، كان الحزب في مرحلة مهادنة تكتيكية لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة الجهوزية. وعندما أعلن أنه بات على أتم الاستعداد، لم يكن ذلك من باب المبالغة.

ويعتبر الحزب أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي خط أحمر لا يمكن السكوت عنه، لما يحمله من دلالات على مشروع أوسع يستهدف القضاء على إيران أولاً، ثم الانتقال إلى تصفية الحزب بعدها أو بالتوازي معها.

سياسياً، أقفل الحزب قنوات التواصل تقريباً، باستثناء ما يُعرف بقناة "الخليلين". كما أغلق الباب أمام كل ما يُطرح من مبادرات أو صيغ حلول أو اقتراحات تفاوض مع إسرائيل. فقد اطّلع على هذه المبادرات، لكنه رفض حتى مناقشتها، مفضّلاً الاستمرار في معركة يعتبرها معركة إعادة رسم المعادلات في المنطقة.

ومن وجهة نظره، فإن الأفكار التي تطرحها فرنسا لا يُعوَّل عليها، لغياب تأثيرها الحقيقي مقابل الثقل الأميركي–الإسرائيلي في الحرب. كما يرفض المقترحات التي تتحدث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ويرى فيها خضوعاً يكرّس بقاء لبنان تحت سطوة الاحتلال.

بالنسبة للحزب، الكلمة الآن للميدان. الميدان وحده، لا السياسة، هو من سيحدد اتجاه الحرب ويصوغ المعادلات الجديدة، المختلفة عن تلك التي تحاول إسرائيل فرضها.

ومع تسارع التطورات العسكرية، بات الحديث السياسي باهتاً وهامشياً. مصادر سياسية معنية تتحدث عن انسداد كامل في الأفق السياسي، بلا مسارات واضحة، مع احتمال أن تعود المبادرات للتحرك خلال الأيام المقبلة تحت ضغط المعركة. هدف الحزب، في هذه المرحلة، ترميم معادلة الردع. وهو يرى نفسه شريكاً حتمياً في أي تسوية إقليمية مقبلة.

أما تسمية العملية العسكرية بـِ "العصف المأكول"، فهي في حد ذاتها رسالة سياسية وعسكرية: إعلان الدخول الكامل في الحرب، بكل الثقل العسكري المتاح، بعد مرحلة تحضير استمرت نحو عشرة أيام لما يصفه الحزب بالحرب الكبرى.

وفي المعلومات الواردة من خارج لبنان، يُقال إن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لتصفية حزب الله في لبنان. في المقابل، تتحدث تحليلات صادرة من واشنطن عن بحث أميركي متزايد عن مخرج سري من الحرب. ويُقال إن دونالد ترامب يحمّل مسؤولية المسار الحالي لكل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف.

في المقابل، تؤكد مصادر من محور إيران- حزب الله أن مسار لبنان بات مرتبطاً عضوياً بالمسار الإيراني. وتقول إن إيران أبلغت رسمياً أن طهران والجانب اللبناني سيكونان على طاولة أي مفاوضات مقبلة عندما تبدأ. أما الآن، فالأولوية للميدان.

وتضيف هذه المصادر أن التقدير الإسرائيلي كان يقوم على فرضية أن الحرب ستنتهي في إيران، لتتفرغ إسرائيل بعدها لتصفية حزب الله في لبنان. غير أن هذا السيناريو كان ممكناً قبل الصمود الإيراني، وقبل إطلاق عملية "العصف المأكول"، وقبل التهديد الإيراني بإقفال مضيق هرمز، وكذلك التلويح بالسيطرة على مضيق باب المندب.

تعتمد إيران في قوتها على جغرافيتها الاستراتيجية، وعلى قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر ممرات الطاقة. وأي اضطراب واسع في هذه الممرات قد يخلّف ندوباً اقتصادية عميقة حتى لدى الولايات المتحدة. أما محاولات احتواء التصعيد، فلم تعد ذات قيمة تُذكر. ما يجري يتجاوز إدارة أزمة عسكرية، ليقترب من عملية إعادة تشكيل شاملة للمنطقة وتوازناتها.

وفي الداخل اللبناني، يحاول جوزاف عون طرح خريطة طريق سياسية، لكن إسرائيل لا تعترف حالياً بوقف إطلاق النار ولا بالقرارات الدولية. وفي ظل هذه الوقائع، يبدو الكلام السياسي بلا تأثير فعلي.

وعلى وقع المعركة، ينتظر لبنان جواب جينين هينيس-بلاسخارت بشأن مقترحاته التي تتحدث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون شروط مسبقة وتحت النار، غير أن المؤشرات حتى الآن لا توحي بوجود آذان صاغية لا في تل أبيب ولا في واشنطن.

في المحصلة، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل كبرى. فالمواجهة لم تعد تدور فقط على حدود لبنان مع إسرائيل، بل تمتد على طول الجغرافيا الاستراتيجية للشرق الأوسط، من مضائق الطاقة إلى خرائط النفوذ الإقليمي. وبينما تحاول القوى الدولية البحث عن مخارج سياسية، يبدو أن القرار الفعلي انتقل إلى ساحات القتال. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُصاغ المعادلات على طاولات التفاوض، بل تُكتب أولاً في الميدان، ثم تُترجم لاحقاً في السياسة.

غادة حلاوي - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا