المعادلة الجديدة:"المؤتمر" يقر دعماً لضمان انجاز سريع للمرحلة الثانية
هل سيرفض العرب هزيمة إيران؟
مَن يحاول إقناع العرب بأن سقوط نظام الولي الفقيه الفارسي سيضرّ بهم لأنه يريح أميركا ويُتيح لها أن تتفرّغ للضغط على الأنظمة العربية، حتّى تلك المتحالفة مع الصين، ودفعها للانضمام إلى حلف “أبراهام” ما يحمي ظهرها في مواجهة “الجيش الأصفر” الصيني عندما تحلّ لحظة الحقيقة.
المسألة التي يتمّ تداولها خلف الأبواب المغلقة بجدّية هي أبعد من مجرّد “فرضيّة” يتم تدارسها والاتفاق على أسس التعاطي معها ثم حفظ ملفها في الأدراج للعمل بموجبه إذا تحقّق الافتراض.
إنّها تعكس قلقًا لدى بعض الدول العربية التي أيّدت إحلال الفرس الشيعة في إيران مع “الولي الفقيه آية الله روح الله الخميني” في الأول من شباط العام 1979، كما أيّدت حملة “الجهاد” الإسلامي السنّي في أفغانستان ضدّ “الكفار” السوفيات بعدما احتل جهيمان العتيبي الكعبة في 20 تشرين الثاني عام 1979، أي بفارق تسعة أشهر عن مهمّة الخميني في إيران ومهمّة الجهاديين السنّة في أفغانستان ضد العدو “الكافر” الواحد، أي الاتحاد السوفياتي.
الدول الثرية “موّلت تلك الحملة”، وأميركا “درّبت وسلّحت “المجاهدين” ضدّ الكفّار السوفيات الذين يحتلون أرض المسلمين في أفغانستان” وتدفّق “الأفغان العرب” إلى أرض الجهاد برعاية أميركا لمدة 14 سنةً حتى فوجئوا في 26 شباط 1993 بتفجير مرآب مركز تجارة العالم في نيويورك بشاحنة صغيرة مفخّخة بـ 540 كيلوغرامًا من المتفجّرات، اتهم بها أتباع الشيخ المصري الضرير عمر عبد الرحمن، إمام مسجد الفاروق في بروكلين، حيث كان يجري تجنيد “الأفغان العرب” فحكم عليه بالسجن مدى الحياة وتوفي في السجن الأميركي في 18 شباط 2017.
هل سيُقنع العرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتسوية مع إيران تُبقيه منتصرًا ولا تهدّد بإسقاط نظامها؟ وما هي أسس مثل هذه التسوية التي تروّج لها دولة عربية كبرى؟ وماذا ستقدّم إيران لقاء التسوية التي يوافق بموجبها ترامب على عدم التعرّض لنظامها لمدة زمنية محدّدة، يُعاد بعدها التفاوض على برنامج نووي سلمي، وصواريخ باليستية عددًا ومجالًا على أن تُرفع عنها العقوبات؟ هل ستقدّم إيران ضمانات لأميركا بالتخلّي عن “أذرعها” في بلاد العرب بعدما رفض ترامب القبول “بضمانات” تكفل ضبطها طيلة الفترة الانتقالية؟
الجواب غير متوفّر، لكن تخلّي قطر عن استضافة الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في فرنسا وتولّي مصر المهمّة التحضيرية توحي بتغيّرات، ليس أقلّها مطالبة ترامب بإلغاء مهمة “الميكانيزم” التي يرأسها ضابط أميركي لقاء انضمام دول راغبة بتولّي مهام لا تشملها أجندة اليونيفيل إلى “مجلس السلام” الذي وُجد أساسًا لغزّة ما بعد الحرب ووسّع بيكاره ليضمّ الحدود اللبنانية – السورية. وهل سيستعدي العرب أميركا كما استعدوا روسيا خلال حقبة محاربة “كفّار” الاتحاد السوفياتي؟
في الأسبوع الأول من شهر آذار عام 1993، كلفتني وكالة “أسوشييتد برس” الأميركية للأنباء (أ.ب.) بمهمّةٍ صحافيةٍ في أميركا عن “الأميركيين من أصول عربية”، كان التكليف استثنائيًا لأن “أ.ب” لا تكلّف غير الأميركيين بالتغطية الصحافية في الولايات المتحدة. كنت في حينها أغطّي المبعدين الفلسطينيين إلى مخيم مرج الزهور في لبنان. قصدت صديقي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله وطيّب ثراه وطلبت منه أسماء بعض المصادر الذين أستطيع الاستعانة بهم في الولايات المتحدة. نصحني بزيارة بروكلين حيث يتكاثر الأميركيون من أصل فلسطيني، كما مسجد الفاروق في المنطقة وهو مركز تجنيد “الأفغان العرب”.
وصلت نيويورك وكان شهر رمضان المُثلج. تذكّرت ثلوج البقاع “الدافئة” قياسًا إلى “الزمهرير” الذي أحسست به لدى مغادرة مطار جون كينيدي. أبلغت إدارة التحرير بخطتي والأماكن التي أريد زيارتها من دون كشف أسماء المصادر، وافق رئيس التحرير على الخطة، وزودوني بسائق أرمني – حلبي لأنّي لا أعرف كيف أتنقّل في بلد كبير. صباح اليوم التالي أوصلني “زوهراب” إلى بروكلين. محلات بيع لحوم “حلال” يشتري منها المسلمون، مكتبات، تبيع كتبًا باللغة العربية، وكتبًا دينية. سألت عن مسجد الفاروق، سألني صاحب مكتبة عن اسمي وجنسيتي، رحب بي، واقترح أن يقلّني بسيارته إلى مسجد الفاروق بعد الدعاء لي “بالتوفيق في الجهاد”.
وصلت إلى المسجد، وكان الوقت قبيل صلاة الظهر، سألت عن الشيخ عمر عبد الرحمن فقيل لي إنّه “محتجز منزليًّا وممنوع من الإمامة” ودعوني إلى العودة للإفطار. عدت قبل وقت الإفطار، والتقيت شخصًا كان الدكتور الرنتيسي قد أعطاني اسمه، وبعد التعارف والتأكد من متانة العلاقة والثقة، أعطاني اسم شخص موقوف رهن المحاكمة في سجن دائرة الهجرة في نيويورك قُبض عليه وهو ناقل لثلاثة جوازات سفر “لمجاهدين مستشهدين” كان يفترض بالمسؤولين عن الفان الذي تفجّر في مرآب مركز التجارة الدولي المغادرة بها لأنّهم كانوا قد فجّروا الفان بصاعق تأخيري مدته ثلاث دقائق، وغادروا بسيارة كانت تنتظرهم.
سمحت لي إدارة سجن الهجرة بالزيارة، التقيت الموقوف وتبادلت معه الحديث ومن ضمنه جملة محدّدة لتوطيد المعرفة والثقة كنت قد تعلّمتها في مسجد الفاروق، وحمّلني سلامًا إلى الدكتور الرنتيسي الذي يعرفه من غزّة، وقال لي إنّه كان ينقل “ثلاثة جوازات سفر سليمة، سعودي، بريطاني، وباكستاني”. ونصحني بالاتصال بمحامٍ من أصل مصري في مدينة أوستن بولاية تكساس ليزوّدني بمعلومات عن الوضع القانوني للموقوفين.
لم أتّصل بالمحامي لأنني لم أكن بوارد أن أُدخل زاوية مصرية في موضوعي كون الشيخ عمر كان متهمًا بمحاولة اغتيال الرئيس أنور السادات وتمّت تبرئته منها. كتبت موضوعي الذي لا يكشف معلومات لم يكن الموقوف قد اعترف بها لمكتب التحقيقات الفيدرالي “FBI” لكنها كانت غير معلومةٍ للقرّاء. أصدر سجن دائرة الهجرة بيانًا يقول إنّ اسم كاتب الخبر لم يرد ضمن زوار السجن ولقاء المتهم.
جُنّ رئيس تحرير “أ.ب” من “الفضيحة” التي عقوبتها الفصل من العمل ومواجهة تهمة “بالاحتيال” وعقوبتها السجن. عرضت جواز سفري على رئيس التحرير وبيّنت له أن موظف الأمن العام في بيروت كتب اسمي على جواز السفر “Mohamad A.R. Salam” فيما اسمي المعتمد هو “Mohammed A.R. Salam”. انفرجت أسارير رئيس التحرير ووجّهنا رسالة إلى إدارة السجن مرفقةً بصورة عن جواز سفري وبعض الصور عن مقالاتي السابقة فصدر اعتذار وسوّيت المسألة.
علمت لاحقًا من مسجد الفاروق أن صراعًا كان قائمًا بين “المجاهدين” الفلسطينيين والمصريين لمطالبة الفلسطينيين بالالتزام بالمهمة الأساسية وهي استهداف “الكفّار السوفيات حصرًا” وليس تنفيذ عمليات ضد دول أخرى لأنها ليست ضمن الاتفاق ولأنّها تسيء إلى المهاجرين العاديين وتُغلق في وجههم أبواب الانتشار والارتزاق، فيما كان المصريون من جماعة الشيخ عمر يعملون على توسيع بيكار “الجهاد”.
قبل مغادرة أميركا شاهدت تظاهرة في بروكلين ضمّت مصريين من جماعة الشيخ عمر، ذكّرتني بها جنازة السيد حسن نصر الله في لبنان. اندلع شجار بين تظاهرة جماعة الشيخ عمر من أهل اللحى الطويلة والشوارب الحليقة والدشاديش القصيرة، وعناصر تظاهرة لمسلمين أميركيين من أصول أفريقية يعزفون الموسيقى ويرقصون على وقع الشهادتَيْن على متن شاحنة كبيرة. هاجمهم عناصر جماعة الشيخ عمر، وردّ الهجوم أتباع الإيمان على وقع الألحان التي توحي بالحرية كما هو مستوحى من ترانيم الأفارقة الأميركيين في زمن العبودية.
غادرت مسرح العراك قبل وصول الشرطة تفاديًا للأسوأ وتذكّرت المشهد وأنا أتابع على شاشة التلفزة جنازة السيد حسن نصر الله عندما تساءلت ماذا يمكن أن يحصل إذا تواجهت مسيرتان من عقيدتَيْن متناقضتَيْن. في هذه الحالة، يقول مصدر أمني غير لبناني، “لن يتكرّر مشهد تظاهرة حزب الله التي جرت حول صخرة ومنطقة الروشة في 25 أيلول عام 2025 وهزمت العهد وحكومته في بداية عهدهما معًا!”
محمد سلام -“هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|