هل اقتربت ساعة الحقيقة مع صندوق النقد؟
بينما كانت أروقة القرار الحكومي تشهد نقاشات ماراتونية استمرت لأكثر من سبع ساعات، خرجت السلطة التنفيذية بقرار "ازدواجي" بامتياز.إعطاء الزيادات بيمينها وسحبها فوراً بيسارها. فقرار منح ستة رواتب إضافية للعسكريين والقطاع العام لم يكن فعلاً إنشائياً لتعزيز القدرة الشرائية بقدر ما كان "حقنة تخديرية" لامتصاص نقمة الشارع المتصاعدة، بتمويل مباشر من جيوب المواطنين عبر رفع رسم صفيحة البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة (TVA).
تعتمد المالية العامة اليوم قاعدة قاسية يفرضها واقع الانهيار وتوصيات صندوق النقد الدولي، وهي: "لا نفقة بلا إيراد". وفي ظل انسداد أفق الاقتراض وتوقف الدولة عن سداد ديونها، لجأت السلطة إلى ما يُعرف بـ "الضرائب العمياء"، وهي الضرائب غير المباشرة التي لا تميز بين غني وفقير. فزيادة رسم المحروقات بمعدل 300 ألف ليرة، والتوجّه لرفع الـTVA إلى 12%، هي إجراءات جبائية سريعة الفعالية، لكنها "انتحارية" اجتماعياً، لأنها لا تراعي القدرة التكليفية للمواطنين وتُفاقم الأعباء المعيشية في ظل تضخم يناهز 15%. هذه الإجراءات تعكس "استسهالاً" في المعالجة، حيث فضلت الحكومة القريبة من منطق "الأعمال" تحميل العبء للعموم بدلاً من التصادم مع الكارتيلات واللوبيات القوية، مثل أصحاب الأملاك البحرية والمقالع والكسارات. إن الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، التي تشكل في لبنان نحو 90% من الإيرادات مقابل 10% فقط للضرائب المباشرة على الأرباح، يكرس اختلالاً بنيوياً فاضحاً يضرب مبدأ العدالة الاجتماعية في مقتل.
كان وزير المالية، ياسين جابر، حاسماً وموضوعياً في موقفه. إذ أكد بوضوح أن "لا زيادات بلا مداخيل"، محذراً من أن أي خطوة غير مدروسة ستعيد البلاد إلى الدوران في فلك الانهيار المالي وتهدد استقرار ما تبقى من الليرة. هذا الموقف، الذي نُقل أيضاً إلى وفد صندوق النقد الدولي، يمهد لمرحلة هي الأصعب في تاريخ الإدارة اللبنانية. فالصندوق لا يرى في الزيادات الحالية حلاً مستداماً، بل يصر على أن "ترشيد القطاع العام" هو المدخل الإلزامي لأي اتفاق مرتقب.
المعطيات المسربة من الكواليس تشير إلى أن الاتفاق مع الصندوق قد يقلب الطاولة رأساً على عقب. إذ إن "التخمة" الوظيفية والمحسوبيات التي تراكمت لعقود لن تستمر. الترشيد يعني ببساطة إعادة هيكلة جذرية شاملة، تشمل تحديد الحاجات الفعلية وإدخال المكننة، وهو ما قد يؤدي إلى الاستغناء عن آلاف الوظائف التي تُعتبر "فائضة"، مما يجعل من الرواتب الستة الحالية مجرد "مخدر" يسبق عملية جراحية كبرى ومؤلمة لإعادة حجم القطاع العام إلى واقعه الطبيعي. لا يتوقف الأمر عند حدود إعادة الهيكلة الإدارية، بل إن الحديث في الكواليس عن "الخصخصة" لعدد كبير من القطاعات بدأ يأخذ منحى جدياً غير مسبوق. هذا التوجه يعني حكماً تخلي الدولة عن دور "الموظِّف الأكبر"، ما قد يدفع نحو الاستغناء عن مئات الوظائف أو تحويلها إلى عقود إنتاجية تحت إدارة القطاع الخاص. إن الهروب من "الإصلاح البنيوي" عبر حلول ترقيعية لن يطول، وساعة الحقيقة تقترب مع كل خطوة يخطوها لبنان نحو توقيع الاتفاقيات الدولية التي تشترط الشفافية والكفاءة بعيداً عن منطق "المحاصصة". ما فعلته الحكومة هو عملية "شراء وقت" لا أكثر. لقد امتصت نقمة العسكريين والمتقاعدين بزيادات رقمية ستتآكل فوراً تحت وطأة الغلاء، لكنها زرعت لغماً تضخمياً سيصيب الجميع. السلطة اختارت الطريق الأسهل بفرض ضرائب على الاستهلاك بدلاً من التوجه نحو ضرائب تصاعدية.
إن القطاع العام اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما القبول بـ "المخدر" الحالي وانتظار "مقص" صندوق النقد الدولي والخصخصة، أو مواجهة واقع مرير يتمثل في تضخم دائم يلتهم الزيادات قبل وصولها إلى الجيوب. المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة استقرار، بل مرحلة إعادة تعريف لدور الدولة وموظفيها، في ظل واقع اقتصادي لا يرحم الضعفاء ولا يعترف إلا بالأرقام.
ليبانون فايلز - علاء الخوري
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|