على حافة الانفجار: مفاوضات جنيف تحت سقف الحرب… والمنطقة رهينة القرار الأميركي
تتقدّم الجولة الثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران في جنيف وسط مناخ يوحي بأنّ التفاوض لم يعد مساراً بديهياً نحو التسوية، بل بات جزءًا من لعبة ضغط أكبر تُدار خارج قاعات الدبلوماسية. فالمؤشرات السياسية والعسكرية المتزامنة لا تعكس نية حقيقية لتدوير الزوايا، بقدر ما تكشف استعداداً مسبقاً لمرحلة ما بعد فشل الحوار.
اللافت أنّ سقف التوقعات المتدنية لم يأتِ من فراغ. فالإدارة الأميركية، مدعومة بالموقف الإسرائيلي، تدفع باتجاه توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات تدرك مسبقاً أنّ إيران ترفض مناقشتها، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية ودورها الإقليمي. وبالتالي، فإن هذا الإصرار لا يمكن فصله عن رغبة واضحة في تحميل طهران مسؤولية التعطيل، تمهيداً للانتقال إلى أدوات ضغط أكثر خشونة.
في المقابل، لا تتعامل إيران مع المشهد بوصفه مفاوضات تقليدية، بل كاختبار نوايا. فمنذ لحظة التصعيد، وضعت طهران الحرب ضمن الفرضيات الأساسية، قبل أن تفتح نافذة تفاوض مشروطة في الأيام الأخيرة. إلا أنّ تزامن هذه الجولة مع تطورات دولية كبرى، وعلى رأسها اقتراب إقفال الجبهة الأوكرانية، يعيد خلط الأوراق. فوقف الحرب في أوروبا، رغم طابعه الإنساني الإيجابي، يعني عملياً إعادة توجيه الاهتمام الأميركي – الأوروبي نحو الشرق الأوسط، وتحديداً نحو الملف الإيراني.
هذا التحوّل يفسّر التصعيد الموازي على الأرض. فالولايات المتحدة الاميركية لا تفاوض من موقع خالٍ من الخيارات، بل تواكب المسار السياسي بتعزيز عسكري متدرّج، في رسالة مزدوجة: التفاوض مستمر، لكن البدائل جاهزة. في المقابل، تردّ طهران بلغة لا تقل وضوحاً، من خلال استعراض قدراتها العسكرية، وتحديداً في النقاط الحسّاسة دولياً، كمضيق هرمز، لتأكيد أنّ أي محاولة فرض شروط بالقوة لن تمر من دون كلفة.
هنا، يصبح التفاوض بحد ذاته جزءًا من الاشتباك، فكل طرف يدخل جنيف وهو يحمل في جيبه سيناريو الفشل، ويستخدم الطاولة الدبلوماسية لتحسين شروط المواجهة المحتملة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن المسار التفاوضي، بل يجب قراءته كأداة ضغط موازية له.
ولعلّ تداعيات هذا الاشتباك المفتوح تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة الاميركية. فالمنطقة بأكملها معلّقة على نتائج هذه المفاوضات، من الاستقرار الإقليمي إلى الملفات المحلية الأكثر حساسية. ففي لبنان، على سبيل المثال، لا يمكن عزل الاستحقاقات السياسية، ولا احتمالات التهدئة أو التصعيد مع إسرائيل، عن مسار العلاقة الأميركية – الإيرانية. إذ إن الغموض الذي يلفّ موعد الانتخابات، كما الهواجس من انزلاق أمني، يعكسان انتظاراً قلقاً لما ستؤول إليه المواجهة الكبرى.
في هذا الإطار، يندرج التصعيد السياسي الأخير في خطاب قيادة "حزب الله"، والذي جاء كترجمة مباشرة لمرحلة ضغط إقليمي متصاعد. فرفع السقف، وتسمية الخصوم، ووضع الحكومة أمام معادلات حادّة، كلها عناصر تعكس انتقال الصراع من مرحلة الرسائل الضمنية إلى مرحلة المكاشفة، في لحظة إقليمية لا تحتمل الرمادية.
الخلاصة أنّ مفاوضات جنيف لا تُختصر بسؤال النجاح أو الفشل، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه. فإما أن تتحوّل إلى مساحة لالتقاط الأنفاس وإعادة ضبط التوازنات، أو تُستخدم كجسر عبور نحو مواجهة أوسع. وبين هذين الاحتمالين، تبقى المنطقة معلّقة على قرار لم يُحسم بعد، لكن ملامحه باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|