الصحافة

من السويداء إلى لبنان... مرحلة جديدة تعيشها الطائفة الدرزية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

شهدت الطائفة الدرزية أمس حدثين بارزين حملا دلالات سياسية ووطنية عميقة، أحدهما في جنوب سوريا والآخر في لبنان، وفي كليهما تجلّت حالة القلق والتململ التي تعيشها القاعدة الدرزية، خصوصًا في لبنان في هذه المرحلة الحساسة.

الحدث الأول وقع في مدينة شهبا في محافظة السويداء، أو ما بات يُعرف لدى كثيرين هناك باسم جبل الباشان، حيث شهدت المدينة تظاهرة حاشدة للمطالبة بحق تقرير المصير وفتح معبر إنساني، ورُفعت الرايات الدرزية إلى جانب الصلبان المسيحية في مشهد رمزي عكس وحدة المصير والتضامن في وجه ما شهدته المنطقة من أعمال عنف دامية. هذا المشهد لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل رسالة واضحة تعبّر عن هوية جامعة تتخطى الانقسامات، وعن شعور عميق بالخذلان والغضب مما تعرّض له أبناء السويداء من مجازر وأحداث أليمة على يد قوات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ما ترك جرحًا مفتوحًا في الوجدان الدرزي.

أما الحدث الثاني فكان في لبنان، حيث دعا رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط إلى احتفال استُحضر فيه تحرير منطقة الشحار خلال الحرب الأهلية اللبنانية. خطوة اعتبرها كثيرون إعادة نبش لمرحلة دامية من تاريخ لبنان، لا سيما أن الطرف الذي كان جنبلاط يتحارب معه آنذاك بات منذ عام 2005 حليفًا سياسيًا وانتخابيًا له، في مفارقة تعكس حجم التحولات في المشهد السياسي اللبناني.

ويبدو أن دعوة جنبلاط لهذا الاحتفال تندرج في إطار محاولة شدّ العصب داخل جمهوره، في ظل حالة غضب درزية عارمة مما جرى في السويداء، وخصوصًا بين القواعد المؤيدة للحزب التقدمي الاشتراكي. غير أن استحضار حدث من زمن الحرب الأهلية أعاد إلى الأذهان تلك المرحلة المثقلة بالانقسامات، بدل أن يشكّل عامل توحيد في لحظة تحتاج إلى خطاب جامع يبدد القلق ويخفف الاحتقان.

التململ داخل الشارع الدرزي بات واضحًا، ويضرب قواعد الحزب الاشتراكي نفسه، حيث تتصاعد أصوات تتهم جنبلاط بالتخاذل أو الصمت حيال ما جرى، بل ويذهب بعضهم إلى حد اعتباره شريكًا. وتُطرح تساؤلات جدية حول جدوى شعارات العروبة التي يرفعها، وما الذي فعلته هذه العروبة لوقف المجازر أو حتى لإدانتها بوضوح. كما أُعيد التذكير بموقف شيخ العقل المحسوب عليه، سامي أبي المنى، حين اشتكى خلال أحداث تموز من أن أحدًا لم يتواصل معه أو يواسيه، في إشارة عكست شعورًا بالعزلة في لحظة مفصلية.

هذه التساؤلات تُرجمت عمليًا في الحضور الهزيل للاحتفال. علمًا بأن هذه المناسبة، أي تحرير مقام ديني، تدغدغ مشاعر وعواطف الدروز جميعهم وليس الاشتراكيين فقط، وبالتالي تشكّل عامل جذب واستقطاب للجمهور، ومع ذلك لم يتجاوز عدد الحاضرين ألف شخص رغم أسابيع من الدعوات ومحاولات الحشد، ما عُدّ مؤشرًا على برودة التفاعل الشعبي.

الأكثر دلالة كان الحضور الديني شبه المعدوم، إذ لم يتجاوز عدد رجال الدين المشاركين العشرات، في مقام ديني. ويعزو كثيرون ذلك إلى حالة غضب متراكمة نتيجة هجوم جنبلاط المتكرر على الشيخ موفق طريف والشيخ حكمت الهجري، إضافة إلى خلافاته مع كبار المشايخ الدروز في لبنان. كما أن مواقفه التي فُهمت على أنها تقليل من خصوصية الهوية الدينية الدرزية، وصولًا إلى دعواته للعودة إلى الدين الإسلامي، أثارت حساسية واسعة داخل الأوساط الدينية التي ترى في ذلك مساسًا بخصوصية الطائفة وهويتها.

في المحصلة، بدا أن الحدثين، في السويداء ولبنان، عكسا وجهين لأزمة واحدة: أزمة ثقة داخل البيت الدرزي، بين القيادة السياسية وقواعدها، وبين الخطاب العروبي والهوية الدينية، وبين استحضار الماضي ومتطلبات الحاضر. وبين مشهد الرايات المتجاورة في شهبا والمهرجانات التي تعيد ذكرى الحروب والانقسامات في لبنان، بدأت تتكشف ملامح مرحلة دقيقة تعيشها الطائفة، عنوانها البحث عن توازن جديد بين السياسة والهوية، وبين الذاكرة والمستقبل.

وليد خوري- ليبانون ديبايت

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا