إيران بين بناء القوّة والتفاوض… ما الذي يثير مخاوف إسرائيل؟
لقاءٌ كالذي جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض لم يحدث من قبل؛ فكل محاولات الظهور ببرود جاءت متناقضة مع الأجواء الداخلية، في مسعى لتفادي إعطاء انطباع مضلل بأن إسرائيل هي من توجه خطوات الولايات المتحدة. لذلك، حرص نتنياهو على خفض البصمة الإعلامية للزيارة إلى الحد الأدنى، وفقاً لتقديرات محللين إسرائيليين.
وأشارت صحيفة "إسرائيل اليوم" إلى أن البيت الأبيض لم يكن معنياً بوضع الملف الإيراني في صدارة جدول الأعمال، وأغلق اللقاء أمام وسائل الإعلام، في إطار سياسة متواصلة منذ أسابيع تقوم على تجنّب الخوض في هذا الملف المتفجّر ــ حرفياً ومجازياً ــ وإظهار أن ترامب يتبع "استراتيجية حذرة بلا خطوات متسرعة". ويبدو أن الإحاطة الاستخباراتية الإسرائيلية التي قُدّمت الى ترامب تهدف إلى توضيح الخيارات العملياتية القابلة للتنفيذ.
وتابعت الصحيفة أنه عند جمع التصريحات مع الرسائل العلنية والمسرّبة من الإدارة الأميركية، تتكرر الخلاصة نفسها: العملية الأميركية ضد إيران ليست مسألة "هل"، بل "متى"؟ فإبرام اتفاق بين الطرفين يبدو مستحيلاً؛ إذ إن الإيرانيين ــ وفق الصحيفة ــ متعطشون للمواجهة، "يرمون في سلة المهملات" رسائل ترامب خلال الاحتفالات بـ"يوم الثورة"، ويعرضون مجسمات لجنرالات أميركيين في توابيت، والأهم أنهم غير مستعدين لتقديم تنازلات في القضايا التي يُطالبون فيها بالتنازل.
"يجب معالجة الصواريخ وكل ما عداها"، هكذا قال ترامب لقناة "فوكس نيوز"، في حين أن النظام الإيراني لا يرى أصلاً مجالاً لنقاش هذه الملفات. وإلى جانب ذلك، فإن مواقف وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، وترامب نفسه حيال إيران، لا توحي أي تحوّل نحو نهج باراك أوباما أو أنتوني بلينكن. من يعتقد ذلك ــ بحسب الصحيفة ــ لا يعرف شيئاً. لذلك، إذا كان نتنياهو قد تحدث مع ترامب عن الحرب، فهذا يفسّر تماماً لماذا امتد لقاؤهما إلى ما بعد الوقت المخطط له بكثير.
المأزق الإسرائيلي
تساءلت "القناة 12" الإسرائيلية عمّا إذا كانت إسرائيل عالقة في مأزق حقيقي، في ظل إصرار الرئيس الأميركي ــ علناً على الأقل ــ على تفضيل مسار المفاوضات في هذه المرحلة. ووجد نتنياهو نفسه في وضع لم يعد فيه الهمس في أذن ترامب حكراً عليه وحده، في مقابل ضغط عربي كثيف لمنع اندلاع حرب.
وأضافت القناة أن ترامب أبلغ نتنياهو رغبته في الاستمرار باستنفاد مسار التفاوض، بينما يرى نتنياهو الأمر على نحو مغاير، معتبراً أن المفاوضات استنفدت نفسها وأن الإيرانيين يراوغون الإدارة الأميركية. ومع ذلك، تؤكد القناة ضرورة التعامل بحذر مع تصريحات ترامب، إذ قد تكون مجرد خدعة تكتيكية.
ورأت أن قرار ترامب لم يُحسم بعد، ما يجعل اللقاء بالغ الأهمية، ليس من زاوية المعلومات الاستخباراتية التي قدّمها نتنياهو فحسب، بل أيضاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها ترامب من شركائه في المنطقة: صديقه المقرّب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. بعض هؤلاء سيزور واشنطن خلال الأسبوع المقبل، وجميعهم لا يريدون رؤية ضربة عسكرية، بل يلمّحون إلى أن نتنياهو يسعى لإشعال حرب.
وهناك أيضاً دائرة إضافية لا تقل أهمية: الخلية الداخلية في البيت الأبيض، والقاعدة السياسية الأميركية. فقد لمّح نائب الرئيس جيه دي فانس إلى عدم الحاجة لإسقاط النظام الإيراني، مفضلاً التركيز على الملف النووي. لهذه التصريحات تأثير كبير، وفي إسرائيل يقدّرون أن الاعتبارات السياسية الداخلية تشكّل عاملاً حاسماً بالنسبة الى ترامب.
ومع ذلك، "يؤمن نتنياهو بقوة علاقته مع ترامب، ولا يرغب في المرور عبر الوسطاء، كما لا يريد أن يُنظر إليه كمحرّض على الحرب - وهي الصورة التي يحاول خصومه إلصاقها به".
انقسام إقليمي وغموض تفاوضي
ولفتت "القناة 12" إلى أن الشرق الأوسط ينقسم اليوم إلى محورين واضحين للتأثير: الأول تقوده إسرائيل - وإسرائيل وحدها - في مواجهة المحور الثاني الذي يضم معظم الدول العربية، بما فيها دول سنّية تُعد من أبرز خصوم إيران، مثل السعودية، لكنها لا ترغب في رؤية حرب، ولكلٍ منها أسبابها.
وتبرز هنا نقطة أخرى مثيرة للاهتمام: الغموض الذي يحيط بالمفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة. فقد قال مسؤول إيراني رفيع إن "المفاوضات تقتصر فقط على الملف النووي"، بل أكثر من ذلك، حتى ضمن هذا الملف، فإن إيران لا تناقش خيار "صفر تخصيب" على الإطلاق. بالنسبة الى طهران، هذا الأمر غير مطروح أساساً؛ وما يجري بحثه هو عدم الوصول عملياً إلى امتلاك سلاح نووي.
هذا الموقف يكمّل الرسائل الإيرانية المتعلقة بالصواريخ الباليستية، وهو ملف ترفض إيران مناقشته كلياً. اللغة الإيرانية واضحة وحاسمة وغير قابلة للتنازل، وتضع خطوطاً حمراء صارمة، ما يعزّز التقدير أن إسرائيل قد تكون فعلاً في مأزق استراتيجي.
التهديد الباليستي
في السياق ذاته، نشر معهد "ألما" تقريراً قيّم فيه الأضرار الناجمة عن الهجوم على 25 موقعاً رئيسياً لإطلاق الصواريخ في إيران، والتي يُقدّر أنها تمتلك قدرات هجومية بصواريخ باليستية متوسطة المدى. ويُعرّف الصاروخ الباليستي المتوسط المدى بأنه صاروخ يراوح مداه الأقصى بين 1000 و3000 كيلومتر.
وأكد المعهد أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصاروخية الباليستية الإيرانية فوق سطح الأرض لم تُنهِ التهديد، إذ إن البنية التحتية تحت الأرض - حيث تُخزّن الصواريخ والمعدات الحيوية - بقيت سليمة. وحذّر الباحثون من أن "التهديد الاستراتيجي الكبير المتمثل بالصواريخ الباليستية المتوسطة والبعيدة المدى لم يُقضَ عليه، وإيران تعمل جاهدة على استعادته وتعزيزه".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|