الصحافة

على من تقرأ مزاميرك يا ماكرون؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا يدع الرئيس الفرنسي ​ايمانويل ماكرون​ مناسبة، في الفترة الأخيرة، الا ويستغلها للدعوة الى وضع الخطط والاستراتيجيات بهدف ضمان استقلال مريح للقارة الأوروبية عن ​الولايات المتحدة الأميركية​. وفي حين ان مثل هذه الدعوة مطلوبة واساسية ويجب التركيز عليها، الا انها تبدو وليدة لحظة انفعال بسبب الخلاف القائم بين ماكرون والرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ (الذي تعمّد اذلال نظيره الفرنسي في اكثر من مناسبة)، كما انها تحمل الكثير من الشك بنسبة نجاحها، اذا ما اخذنا بالاعتبار ان ساكن الاليزيه لم يعد يتمتع بالحضور الذي كان يتمتع به عند انتخابه لولاية أولى، فهو اليوم يترنح بحكم الضربات الداخلية التي تلقاها، والضربات الإقليمية التي يتلقاها والتي أدت الى تراجع الحضور الفرنسي في اكثر من محور في العالم (يجهد حالياً وبقوة لابقاء الزخم الفرنسي في لبنان في ظلّ الهجمة الأميركية).

محاولة ​أوروبا​ شقّ طريق مستقل عن الولايات المتحدة ليست فكرة وليدة اللحظة، ولا شك ان قضية غرينلاند اجّجت روح الرفض والخضوع للاملاءات الأميركية، ولكن تحقيق هذا الاستقلال في المدى المنظور يبدو شديد الصعوبة. أوروبا ليست كياناً متجانساً، بل مجموعة من المصالح والحسابات الوطنية المتباينة، ولم يسهّل خلق هاجس "العدو الروسي" في تخفيف هذه الشرذمة، لان دول أوروبا الشرقية باتت اكثر التصاقاً بأميركا، فيما ابرز دول أوروبا الغربية ك​ألمانيا​ و​إيطاليا​، تدعو الى الحفاظ على علاقة متوازنة مع واشنطن تضمن الاستقرار الاقتصادي وتجنّب المغامرات المجهولة المصير.

في المقابل، لا تُظهر الولايات المتحدة أي استعداد للتخلي عن موقعها المهيمن. فهي لا تزال تمسك بخيوط ملفات دولية معقدة، بدءا من المفاوضات المرتبطة ب​الحرب في أوكرانيا​ حيث تجهد لتحقيق اتفاق مع روسيا، غير آبهة بأن يكون اكثر إرضاء للدب الروسي، مروراً بالمواجهة الدبلوماسية (مهددة ايضاً بالضربات العسكرية) مع ​إيران​ مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر انتشار حرائق مواجهات في دول ضمن قارات مختلفة ومن بينها دول حليفة، والتدخلات المباشرة وغير المباشرة في أميركا الجنوبية، من دون ان ننسى "السلام" في غزة ومحاولة الانتهاء من ازمة ​الشرق الأوسط​ بأي طريقة تراها الإدارة الأميركية الحالية مناسبة، وكل ذلك في ظل غياب كلفة حقيقية تردعها. هذا السلوك يعكس ثقة فائضة بالقوة، ويؤكّد أنّ واشنطن ترى نفسها مركز النظام الدولي، لا شريكاً متساوياً فيه، فمن الذي سيتقدم لمخاطبتها كندّ؟ حتى ولو كان يحمل الهوية الأوروبية؟.

واللافت ان ذهنية التفوق الأميركي الجديد لا تقتصر على ترامب فقط، بل وصلت العدوى الى السياسيين الأميركيين، فها هو السيناتور الجمهوري ​ليندساي غراهام​ يطلق لسانه الناري وتصريحاته الاستفزازية بحق حلفاء تقليديين، كما حصل في معرض دعوته لتغيير النظام في إيران، وما رافقها من انتقادات لدول في الشرق الأوسط تعتبر من ابرز الحلفاء لاميركا على غرار مصر وتركيا وقطر. مثل هذه المواقف لا تُضعف صورة الولايات المتحدة فحسب، بل تضع حلفاءها أمام اختبار صعب: إما القبول بمنطق الإملاء، أو البحث عن بدائل لم تتبلور بعد.

وبالتالي، يمكن القول إن مسعى أوروبا للاستقلال عن الولايات المتحدة يصطدم بثلاثة عوائق كبرى: انقسام داخلي أوروبي، تراجع زخم القيادة الفرنسيّة، واستمرار "عقدة النقص" التي نجح ترامب في فرضها خلال اقل من سنة بعروض القوة الفائضة التي نفذها. الاستقلال، إذاً، ليس مستحيلاً على المدى البعيد، لكنه اليوم أقرب إلى طموح فكري منه إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. أوروبا تعرف ما لا تريده، لكنها لم تحسم بعد ما الذي تستطيع أن تكونه فعلاً في عالم يتجه نحو مزيد من الصدام لا الشراكة.

طوني خوري -النشرة

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا