من فائض القوة إلى حساب الخسائر.. “الحزب” في مأزق “غضب البيئة” وضيق الخيارات
تتكشف في الكواليس الداخلية لـ”حزب الله” نقاشات متوترة ومراجعات غير مسبوقة، تعكس حجم الإرباك الذي خلّفته حرب 2024، ليس فقط على مستوى القيادة، بل داخل البيئة الحاضنة نفسها. فبين خيبة متصاعدة، وخسائر بشرية ومادية هائلة، وانسداد أفق الإعمار والاستقرار، يواجه الحزب أسئلة صعبة من جمهوره وناشطيه وفاعليات اقتصادية واجتماعية بارزة، في وقت تبدو فيه القيادة عاجزة عن تقديم أجوبة حاسمة، فيما يضيق هامش المناورة السياسية والأمنية داخليًا وخارجيًا، وتقترب مسألة السلاح من مفترق حاسم.
وفي المعلومات المتوافرة، أن نقاشات لا تخلو من حماوة أحيانًا تدور في صفوف المراكز القيادية في “الحزب”، لا سيما على خلفية انتقادات وملاحظات شديدة الوقع أحيانًا، تصل إلى المسؤولين من أبناء البيئة الحاضنة وبالأخص من وجوه بارزة ورجال أعمال وفاعليات يشكون فيها من شعور متفاقم بإحباط عميق وخيبة كبيرة، وخشية من ضياع التضحيات التي لا تنحصر بشهادة الشهداء وتعب المناضلين فحسب، بل تشمل الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي لحقت بشرائح واسعة من الأنصار أو من غير المحازبين، فضلًا عن انسداد الأفق أمام أي أمل في المدى المنظور للعودة إلى الاستقرار والانصراف إلى الإعمار والإنماء واستعادة ثقة متراجعة.
وتشير المعطيات إلى أن قيادة “الحزب” لا تملك أجوبة واضحة وثابتة على الكثير من الأسئلة والمراجعات، مكتفية أحيانًا بالقول إن المواجهة ما زالت في أوجها ولا يمكن الانشغال في تفاصيل مربكة طالما أن الأمور ملتبسة، والكثير من الأجوبة مرتبط بمآل الوضع في إيران على خلفية المواجهة أو التفاوض مع الأميركيين.
ولا يخفى أن ثمة ملاحظات تطاول الأمين العام لـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم ومدى قدرته على إيصال الشكاوى وحالة التململ إلى المرجعية الإيرانية، باعتبار أن البيئة الشيعية في لبنان دفعت أغلى الأثمان لقاء خوضها غمار حرب إسناد غزة بغطاء إيراني، بل وبطلب صريح على قاعدة الاعتقاد بأن هذه الحرب المزدوجة ستغيّر المعادلة وستجبر إسرائيل على الانكفاء والتفاوض مع إيران تحت الضغط، لكن النتيجة كانت معاكسة وتبلورت خسائر ضخمة ونكسة لم تكن في حسبان أكثر المتشائمين.
وتفيد المعطيات بأن ثمة قيادات سألت عن الحكمة من كلام الشيخ قاسم حول إسناد إيران إذا ما تعرضت لهجوم أميركي؟ وهل يستطيع “حزب الله” تحمّل تبعات حرب جديدة، في وقت يبحث الناس عن كيفية إزالة آثار الحرب الأخيرة وتجاوز مآسيها ونتائجها الكارثية أحيانًا؟
وبحسب المتوافر، فإن قيادة “الحزب” تسعى إلى إقناع نفسها وجمهورها بلعب ورقة أخيرة ما زالت في متناولها بنسبة معينة، وتثبيت بعض المواقع الأساسية الرسمية التي يشغلها الشيعة اليوم لا سيما بالوكالة أو بالإنابة، وهي فرض واقع يتمثل بمثالثة إدارية في متن الدولة وإداراتها ومؤسساتها، من خلال إعادة توزيع بعض مناصب الفئة الأولى المهمة لمصلحة تكريسها للشيعة، على قاعدة تصنيف تلك المواقع بالممتازة على سبيل المثال، من دون المس بالمناصفة التي تشمل سائر مواقع الفئة الأولى “قشة لفة”، بحيث يبقى الكثير من وظائف الفئة الأولى غير المهمة أو الهامشية على قاعدة المناصفة.
هذه المحاولة المتذاكية لن تمر بحسب مصدر وزاري، علمًا أنه يعتبر أن الاعتراض ليس من جانب المسيحيين فحسب، بل من جانب السنة والدروز، ولو أوحى “الثنائي” بأن ما يطرحه هو للمصلحة الإسلامية عمومًا.
وفي الواقع لا تخفي شخصيات سنية قريبة من مرجعيتها الروحية حالة من الامتعاض تسود حتى البيئة السنية البيروتية نفسها من حالة وضع اليد، و”الهوبقة” من قبل أنصار “الثنائي” على الكثير من الإدارات والمؤسسات العامة حتى في قلب بيروت، حيث يصطدم الكثير من المعاملات والمراجعات بنوع من الابتزاز الواضح للتأكيد على أن لا شيء يمر من دون موافقة “الثنائي” حتى في بعض الأمور غير الأساسية، خصوصًا وأن جماعة “الثنائي” يهيمنون بدرجة كبيرة على وظائف الفئات الثانية والثالثة والرابعة.
مغزى ما تقدم، أن “حزب الله” يريد أن يستفيد اليوم وقبل الغد مما بقي لديه من فائض قوة، وهو ما زال كبيرًا، وإن خف وهجه نسبيًا، لإدخاله في بازار التسوية المنتظرة لمسألة السلاح، لا سيما وأن ثمة اقتناعًا متزايدًا لدى “حزب الله” بأن لا استعداد لدى رئيس الجمهورية ولدى رئيس الحكومة ولدى الأكثرية الحكومية للعودة إلى نغمة الاستراتيجية الدفاعية أو حتى الأمنية، وهي الاستراتيجية التي أسقطها “حزب الله” في عز قوته واستقوائه خلال حوار بعبدا برئاسة الرئيس ميشال سليمان، حين رفض تقديم مشروعه لهذه الاستراتيجية، باعتبار أن لا حاجة لها طالما أنه ممسك وحده بقرار الحرب والسلم، فإذ به اليوم يستفيق متأخرًا جدًا عليها.
وفي الخلاصة، سلاح “حزب الله” إلى نهاية حتمية لوجوده ولدوره، لا سيما وأنه محاصر من فوق بالقرارات الدولية والمظلة الأميركية وعلى الأرض يجد الدولة قبالته في الإصرار على حصرية السلاح بيدها، بينما تترصده إسرائيل من الجنوب بحجة أو بدونها، فيما الشرق والشمال مقفلان عمليًا مع السيطرة المضطردة لنظام أحمد الشرع على الحدود، وتاليًا ما يمكن للدولة اللبنانية حكمًا وحكومة أن تعد به “حزب الله”، هو أنه مع إحراز تقدم حاسم ونوعي في عملية حصر السلاح، فإن عملية إعادة الإعمار ستنطلق بقوة وسرعة وشمولية، بما يرضي المنكوبين والمتضررين وبعيدًا من أي منطق تحاصصي ومحسوبيات، ومن ضمن قنوات رسمية وآليات رقابية تشارك فيها الدول والجهات المانحة العربية والدولية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|