محليات

منسى: التأشيرة الأغلى في العالم

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أشار الرئيس السابق والعضو المؤسّس لجمعية "رجال الأعمال اللبنانيون في فرنسا" HALFA أنطوان منسّى الى ان "الأشهر الأولى من عام 2025 شهدت بزوغ بارقة أمل كبيرة في لبنان، مع نجاحه في انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة عمل. عندها، اتجهت أنظار اللبنانيين والعالم إلى القرارات والإصلاحات الملحّة التي كان يُنتظر من رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اتخاذها خلال ولايتهما، بهدف إنقاذ البلاد وتخليصها من قبضة طبقة سياسية بدّدت مقدّراتها ومواردها التشغيلية.

غير أنّه لا بدّ من الإقرار بأنّ أفضل النوايا لدى الفريق الحاكم لم تكن كافية وحدها لإعادة لبنان إلى سكّة التعافي، في ظلّ حجم الضغوط وضخامة التحدّيات. فقد كان لا بدّ أن تُرفق تلك النوايا بالشجاعة والحزم السياسي.

ومع ذلك، ينبغي أن نتحلّى بالكثير من الحكمة والموضوعية في تقييم بدايات هذا العهد. فهل نملك حقّ المطالبة اليوم من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، اللذين تسلّما مهامهما منذ الثامن من شباط 2025 فقط، باستخدام عصا سحرية لإعادة ضبط كلّ الأوضاع سريعًا، بعد فراغات دستورية متكرّرة امتدّت على مدى العشرين عامًا الماضية؟ الجواب بديهيّ ولا يحتاج إلى عناء.

وعليه، سيكون من غير المنصف، على سبيل المثال، تجاهل سلسلة التعيينات التي أُقرّت في وقت قياسي، وكذلك الإجراءات التي اتُّخذت خلال أقلّ من عام على صعيد إدارة الدفاع الوطني وحماية الأمن الحدودي.

إنّ الخطوات التي قامت بها المؤسسة العسكرية اللبنانية، رغم عدم اكتمالها بعد، في سبيل تثبيت وقف إطلاق النار وتطبيق القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، تشكّل دليلًا واضحًا على ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى التدابير السريعة التي باشرتها السلطات المالية والاقتصادية لإطلاق مسار الإصلاحات، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومحاولة تصحيح النظام المالي.

غير أنّ المراقب المتنبّه لا يسعه إلا أن يلاحظ أنّ هذا التسارع قد يزرع، للأسف، بذور الشكّ حول الخيارات التي تستعدّ السلطات المعنية لاتخاذها في معالجة أزمة تعود جذورها إلى زمن سحيق.

فهل يعود ذلك إلى ضعف في التواصل؟ أم إلى محاولة إشباع تعطّش اللبنانيين لأيّ حلّ؟ أم إلى الرغبة في الانصياع لضغوط دولية واضحة؟ كلّ ذلك وارد. لكنّ التجارب السابقة ينبغي أن تكون جرس إنذار يدعونا إلى التروّي، إذ إنّ التسرّع كان يمكن أن يقود البلاد إلى الإفلاس خلال العقد الأخير.

في هذا الإطار الدقيق، وخلال اجتماعات صندوق النقد الدولي – دورة ربيع 2025، التي انعقدت في واشنطن بين 21 و25 نيسان الماضي، كان الهدف الأساسي للوفد اللبناني إثبات جدّية التزامه بالإصلاحات، وفتح باب التفاوض للحصول على قرض يتراوح بين ملياري وأربعة مليارات دولار أميركي.

وبطبيعة الحال، كان هذا القرض مشروطًا بموافقة الصندوق على خطة الإصلاح التي أقرّها لبنان، بما يمنحه لاحقًا المصداقية اللازمة لفتح أبواب تمويل إضافية. والنتيجة؟ ديون جديدة تُضاف إلى ديون قائمة أصلًا. مسارٌ مؤلم، لكنه غالبًا ما يُفرض كشرط للدخول إلى الأسواق المالية الدولية. وبعبارة أوضح، هو بمثابة «تأشيرة حسن سلوك» للبنان، لكنها في الوقت نفسه تأشيرة الدخول الأغلى في العالم.

إلا أنّ مثل هذه الخطوات لا تخلو من معاناة وإخفاقات، كما تُظهر تجارب اليونان، وقبلها قبرص، وكذلك الأرجنتين وعدد من دول العالم الثالث. فسياسات صندوق النقد الدولي تتّسم بصرامة شديدة، وقد تنطوي على مخاطر جدّية، أبرزها عدم إعادة الودائع المصرفية إلى أصحابها. فالأولوية لدى الصندوق ليست بالضرورة إنعاش الاقتصاد، بقدر ما هي ضمان قدرة الدولة على سداد ديونها في مواعيدها.

من هنا، يفرض الواقع الاقتصادي مقاربة أكثر حكمة وبراغماتية. ولِمَ لا نستحضر، على سبيل المثال، النموذج الفرنسي في إدارة ورشة إعادة إعمار كاتدرائية نوتردام بعد الحريق الذي دمّرها؟ أليس في ذلك ما يُلهمنا؟
إنّ الحلول موجودة، وما ينقص هو تنفيذها. وللتذكير، كان الراحل دون خوسيه عبيد، في المكسيك، الذي خلفني يومًا في رئاسة المجلس الاقتصادي العالمي لدى الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ، قد اقترح إطلاق حملة تبرّعات دولية من قِبل نحو تسعة ملايين لبناني في الاغتراب تحت شعار: «دولار واحد يوميًا من كلّ مغترب للبنان».

ولو أُحكمت حماية إدارة هذه الأموال، لظلّ هذا المشروع قابلًا للتطبيق حتى اليوم، مانحًا الحكومة الحالية ورقة ضغط إيجابية وفعّالة.

إضافة إلى ذلك، تنصّ المادة 113 من قانون النقد والتسليف على أنّ الدولة مُلزَمة حتمًا بسداد فجوة الديون (GAP) المستحقّة لمصرف لبنان، على غرار ما جرى في أستراليا وسويسرا. ومن غير المقبول، بل من المضرّ للغاية، تحميل المودعين عبء هذه الديون. لا سيّما أنّه بات معلومًا أنّ بعض أركان السلطة السياسية ومن يدور في فلكهم استفادوا من الأزمة المالية لتحقيق مصالح شخصية، على حساب أموال الناس ودافعي الضرائب.

في هذا السياق المؤسف، يفترض بالدولة أن تبادر سريعًا إلى تنظيف الإدارات التي بدّدت الأموال بشكل غير شرعي، ثمّ إجراء جردة دقيقة لأصولها: احتياطي الذهب لدى مصرف لبنان المقدّر اليوم بنحو 30 مليار دولار، وأملاك الدولة العقارية، وقطاعات الكهرباء والاتصالات، والمطار، والمرفأ، والنقل، ومعرض طرابلس، والسياحة، والمناطق الاقتصادية الحرّة… على سبيل المثال لا الحصر.

وبالتوازي، تبرز ضرورة قصوى في تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وهي آلية أقرّها مجلس النواب بقانون نافذ. فمن شأن ذلك أن يسمح باستخدام جزء بسيط من عائداتها لسداد جميع الودائع دون استثناء، وإعادة بناء الثقة، وهي الشرط الأساسي لعودة عجلة الاقتصاد إلى الدوران.

لبنان ليس بلدًا فقيرًا بالموارد، بل على العكس، هو بلد غنيّ جدًا. ولا حاجة إلى الغرق أكثر في سياسات الاستدانة. المطلوب رؤية مستقبلية تقوم على أعلى درجات المسؤولية الوطنية، وتعامل نزيه وعادل مع المودعين.

قد تبدو «التأشيرة الأغلى في العالم» فرصة مغرية على المدى القصير، لكنها قد تتحوّل إلى عبء ثقيل في المستقبل.

لنضع ثقتنا بالفريق الحاكم في إدارة هذا الملف الشائك، وبالله، وبالحياة، وبقدرات اللبنانيين. فلبنان، بإمكاناته البشرية، قد لا يكون بحاجة فعلية إلى أغلى تأشيرة في العالم".

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا