الروس والصينيون في المعركة؟!
قد يكون بامكاننا الآن التساؤل ما اذا كانت روسيا والصين قد اكتشفتا، في اللحظة الأخيرة، ما يعنيه سقوط ايران في "الحالة الأميركية"، للأمن الاستراتيجي للبلدين. وهذه هو الدافع الحقيقي لدونالد ترامب الذي يرى أن السيطرة على ايران تؤدي، تلقائياً، الى تعطيل المشروع الأمبراطوري للصين "الحزام والطريق"، أي احياء طريق الحرير، وكان يضج بالقوافل التي تنقل الأفاويه والحلى، وكذلك الحيلولة دون القيصر ووضع قدميه في المياه الدافئة...
ايران، بالموقع الجغرافي الفائق الحساسية، هامة جداً ليس فقط للأمن الاستراتيجي للبلدين في أي صراع مستقبلي. هي أيضاً هامة جداً لمصالحهما البعيدة المدى، اذا ما أخذنا بالاعتبار أن الطريق الى الشرق الأوسط يمر عبرها لا عبر تركيا، العضو في حلف الأطلسي، والتي طالما اعتمدت ديبلوماسية الثعبان أو استراتيجية الثعبان في التعاطي الزبائني، خصوصاً مع روسيا التي تدرك أن مفاتيح البحر الأسود بيد رجب اردوغان.
من هنا كان البيان الايراني حول مناورات مع كل من روسيا والصين في بحر عمان، كما في المحيط الهندي، خلال أيام. واذا كانت هذه المناورات تجري بصورة دورية، لا بد أن تأخذ بعداً آخر هذه المرة، خصوصاً بعد تداول معلومات حول تدفق الأسلحة الروسية، وخصوصاً الصينية، على ايران. ربما كان هذا وراء الحشد الأميركي الهائل كما لو أنه الاستعداد لحرب كبرى لا لتوجيه ضربات جوية تكتيكية الى دولة تعتبر واشنطن أنها في ذروة الضعف والتصدع.
ما يستدل من وسائل الاعلام الأميركية والاسرائيلية أن أجهزة الاستخبارات في البلدين ترجح حصول ايران على منظومات للدفاع الجوي، وقد يكون بوسعها التصدي للطائرات المعادية. والملاحظ أن الجهات الايرانية المعنية أتاحت للمراسلين، وربما عن عمد، الحديث عن تسلم أسلحة روسية وصينية على مدى الستة أشهر المنقضية، اي أن التعامل مع أي عملية عسكرية سيكون أكثر فاعلية، ودون أن يعرف الى أي مدى تمت معالجة الاختراقات الاستخباراتية التي كادت تؤدي ليس فقط لخلخلة النظام وانما لتقويضه، لولا الاحتواء المذهل للوضع.
هذا لا يعني الايغال في الرهان على توازن ما للقوى بين ايران والأرمادا العسكرية الأميركية في المنطقة. لكن المسألة تتعلق بكيفية ادارة القيادات الايرانية المعركة، وهنا تحذير خبراء عسكريين من السقوط في "المصيدة الايرانية"، أي حرب طويلة المدى، بتكلفة باهظة وباستنزاف دراماتيكي للقوات الأميركية، وأيضاً باستنزاف الدينامية الفلسفية لدونالد ترامب الذي لا يرى فارقاً بين الطريق الى كراكاس والطريق الى طهران.
لكن الفارق هائل. لا شك أن فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم لا بد أن تثير شراهة دونالد ترامب بـ"الأنف العابر للثروات". على كل لا يختلف الرئيس السابع والأربعون عن العديد من أسلافه في النظرة الكلاسيكية الى بلدان أميركا اللاتينية والتي طالما تم تدجينها ان بالانقلابات العسكرية أو بصناديق الاقتراع.
في هذا السياق، لا مصلحة مباشرة لكل من روسيا والصين في التواجد على الأرض الأميركية، وان كان ذلك ضرورياً على صعيد الصراع الأمبراطوري، ليبلغ دونالد ترامب ذروة البهلوانية اللغوية والسياسية حين يقول أن من أسباب ازالة حكم نيكولاس مادورو وقف نشاطات "حزب الله" وايران على الأرض الفنزويلية، ما يثير سخرية المعلق الأميركي، الهندي الأصل، فريد زكريا حد التساؤل ما اذا كان رواد الفضاء الأميركيون قد قوجئوا براية "حزب الله" الصفراء على سطح المريخ...
الشرق الأوسط مسألة أخرى ان بالنسبة الى الكرملين الذي يدرك مدى حساسية هذه الخاصرة الرخوة للجزء القوقازي من روسيا أو بالنسبة الى النانيغنغ (المقر الرئاسي الصيني) بالهاجس التركستاني في اقليم سينغيانغ، وحيث الأكثرية التي تعتنق الاسلام وتربطها صلات تاريخية بالشرق الأوسط. وكم لعبت هذه المنطقة في خيال التنين على مدى الأزمنة!
وبعدما تردد كثيراً أن الروس يزودون حلفاءهم بأسلحة الماضي (تصوروا أنهم زودوا الجيش السوري بدبابات تعود الى العهد الستاليني، وهذا ما لاحظناه في لبنان) ليكسر هذا التقليد يوري أندوبوف ،لكنه بقي على رأس السلطة لأقل من عام ونصف، فهل يكسر فلاديمير بوتين هذا التقليد الغريب والمريب أيضاً؟ المعلومات تؤكد أن موسكو وبكين زودتا طهران بأسلحة تمكنها من المواجهة ومن اطالة أمد الحرب. بطبيعة الحال للحيلولة دون ترامب واقفال المنطقة في وجههما.
لكن المثير هنا أن الرئيس الأميركي الذي طالما أسبغ صفات السوبرمان على الرئيس أحمد الشرع، كما طلب من الأتراك مساعدته على توحيد الأرض السورية بالقوة، على أن تتولى حكومات عربية تمويل هذه العملية، يمتنع عن تزويد الجيش السوري بالسلاح خشية استعماله ضد اسرائيل، مع أن الرئيس السوري فتح ذراعيه لبنيامين نتياهو، ليطرح الشرع أمام بوتين مسألة تزويده بأسلحة روسية. هنا المفارقة الغريبة.
كلام عن "أيام النار" في الشرق الأوسط. الوسطاء الاقليميون والدوليون ينشطون لحمل الطرفين الى ردهة المفاوضات، وبتنازلات مشتركة لا بتنازلات ايرانية فقط كما يشترط ترامب الذي لا يدري أحد متى تنفجر لحظة الجنون في رأسه. في المنطقة أيضاً...
نبيه البرجي -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|