محليات

مئوية الدستور اللبناني: قرن من البناء الدستوري فيه الثابت والمتحوّل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مع مطلع عام 2026، يقف لبنان على عتبة مئوية دستوره الصادر في الثالث والعشرين من أيار 1926، وهو حدث يتجاوز رمزيته الزمنية ليشكّل مناسبة علمية ووطنية لإعادة قراءة التجربة الدستورية اللبنانية بكل تعقيداتها وتحوّلاتها. فالدستور كما هو نص تأسيسي لتنظيم السلطات وتحديد الصلاحيات وشكل نظام الحكم، الا انه تحوّل، عبر قرن كامل، إلى مرآة دقيقة للتوازنات الاجتماعية والسياسية، وإلى سجلّ حيّ للصراعات والتسويات التي طبعت الكيان اللبناني منذ نشأته. وقد خضع هذا النص لتعديلات متعدّدة ومتتالية، عكست في جوهرها محاولات مستمرة للتكيّف مع المتغيرات الداخلية والإقليمية، وكان أبرزها التعديل الجوهري الذي أُقرّ مطلع التسعينيات، فأعاد صياغة بنية السلطة التنفيذية ورسّخ منطق الشراكة والتوازن في إدارة الدولة.

إن استحضار المئوية الدستورية لا يندرج في إطار الاحتفاء "المناسباتي" أو النوستالجيا القانونية، بل يفتح الباب أمام مقاربة بحثية نقدية تسائل مدى قدرة الدستور اللبناني على الاستجابة لمتطلبات الدولة الحديثة، وعلى احتضان مجتمع متنوّع تتقاطع فيه الهويات والانتماءات والمصالح. فالدستور، بوصفه العقد الاجتماعي الأعلى، لا يُقاس فقط بسلامة نصوصه، بل بمدى تفعيله في الواقع، وبقدرته على إنتاج مؤسسات فاعلة، وضمان الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ تداول السلطة والمساءلة. ومن هنا، تبرز أهمية إعادة تعريف العلاقة بين النص الدستوري والممارسة السياسية، خاصة في ظل أزمات متراكمة كشفت فجوة واسعة بين ما ينصّ عليه الدستور وما يُطبّق فعلياً في الحياة العامة.

وفي هذا السياق، تأتي الدعوة إلى إحياء هذه الذكرى عبر أنشطة علمية وتربوية وثقافية موزّعة على مختلف المناطق، بوصفها مدخلاً لإعادة إدماج الدستور في الوعي الجماعي، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة. فتعريف المواطنين، منذ المراحل التعليمية الأولى، بمبادئ النظام الديمقراطي البرلماني، وبآليات عمل المؤسسات الدستورية، وبحقوقهم وواجباتهم، يشكّل شرطاً أساسياً لبناء ثقافة دستورية مستدامة. هذه الثقافة لا تقتصر على المعرفة النظرية، بل تمتد إلى ترسيخ الإيمان بأن الدستور ليس نصاً جامداً، بل إطاراً قابلاً للتطوير والتحديث بما يتلاءم مع تطوّر المجتمعات وتنوّعها، من دون المساس بروحه الجامعة أو بوحدة الكيان.

إن الطابع البحثي والعلمي للاحتفال بالمئوية يتيح فرصة نادرة لفتح نقاش وطني هادئ حول النصوص التي أثبتت صلابتها عبر الزمن، وتلك التي باتت تحتاج إلى مراجعة أو تحديث. فالمسألة الدستورية في لبنان لطالما كانت محاطة بالحساسيات السياسية والطائفية، ما جعل أي نقاش إصلاحي عرضة للتجاذب. غير أن مقاربة المئوية من زاوية أكاديمية، قائمة على الدراسات المقارنة والتحليل الدستوري الرصين، يمكن أن تساهم في فك هذا الاشتباك، وتحويل الدستور من موضوع نزاع إلى مساحة حوار عقلاني حول مستقبل الدولة.

ولا يقلّ أهمية عن ذلك البعد التنظيمي والمؤسساتي لهذه المناسبة، حيث يُفترض أن تشكّل عملية التنسيق بين المؤسسات الرسمية والخاصة، والنقابات والجامعات والمدارس والجمعيات، نموذجاً عملياً للشراكة الوطنية في مقاربة القضايا الكبرى. فنجاح المئوية لا يُقاس بحجم الاحتفالات، بل بقدرتها على إنتاج معرفة دستورية معمّقة، وعلى بلورة توصيات عملية قابلة للنقاش والتنفيذ، تُختَتم في احتفال وطني جامع يرمز إلى وحدة المرجعية الدستورية وإلى التزام الدولة، بمختلف مؤسساتها، بصون هذا الإرث وتطويره.

ان مئوية الدستور اللبناني تمثّل لحظة مفصلية لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الدستورية في بلد أنهكته الأزمات. هي مناسبة للتأكيد أن الدستور، رغم ما اعتراه من تعطيل أو تأويل انتقائي، لا يزال يشكّل القاعدة الصلبة لأي مشروع نهوض سياسي ومؤسساتي. كما أنها دعوة مفتوحة لتحويل الذاكرة الدستورية من مادة احتفالية إلى أداة إصلاحية، تُسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتضع لبنان، بعد قرن من التجربة، أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لنص تأسيسي عمره مئة عام أن يجدّد شبابه عبر إرادة وطنية جامعة تحوّل الدستور من وثيقة تاريخية إلى مشروع مستقبلي حيّ؟..

داود رمال – "اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا