جولة جنونية.. من يخطف آخر 6 تذاكر مباشرة لدور الـ16 في دوري أبطال أوروبا
سلاح القضاء وفائض القوة: حزب الله يحصّن "الدولة العميقة" في وجه الضغوط الدولية
مع تصاعد الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، على لبنان في شقّيه السياسي والعسكري، تحت عنوان "حصر السلاح" جنوب الليطاني، يعود إلى الواجهة نموذج الضغط المركّب الذي تعتمده واشنطن في الإقليم: استعداد معلن للحوار، يقابله تلويح دائم بالقوة، وضربات "محدودة" تُنفَّذ قبل التفاوض وأثناءه وبعده. سياسة تشبه إلى حدّ بعيد مقاربة الإدارة الأميركية للملف الإيراني، حيث تُدار المعركة بالنار والرسائل، لا بالحرب الشاملة.
وفي لبنان، يبدو أن هذه المقاربة تُترجم عملياً عبر معادلة مزدوجة: الأميركي لا يريد انفجاراً إقليمياً واسعاً، لكنه لا يعارض أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربات مركّزة ضد حزب الله، بهدف إبقاء الضغط مستمراً على الدولة اللبنانية بكل مكوّناتها، لدفعها نحو مسار سياسي أوسع، قد يصل إلى فكرة الحوار المباشر مع إسرائيل، تحت مطرقة الاقتصاد المنهار وسندان الغارات والتصفيات اليومية.
في المقابل، لا تبدو إيران في وارد "التسليم" أو التخلي عن أوراقها الإقليمية، رغم الضربات المتراكمة التي تتعرض لها. بل على العكس، تحرص طهران على إبراز صلابة النظام وتقديس "سلاح المقاومة"، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية واحتلال إسرائيل نقاطاً حدودية وقرى لبنانية عدة، ما يمنح حزب الله سردية دفاعية جاهزة في الداخل، ولو كانت الوقائع تتجه في مسار معاكس.
داخلياً، لا يتعامل حزب الله مع التطورات على أنها اقتراب لـ"الضربة القاضية". لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الأفق السياسي مسدود، وأن ميزان القوى الإقليمي يتحوّل تدريجياً، ما يدفعه إلى خيار تحصين النفوذ الداخلي والإمساك بمفاصل "الدولة العميقة"، لإبلاغ الجميع أن سقوطه لن يكون حدثاً عابراً، بل انقلاباً دراماتيكياً على "الستاتيكو" اللبناني، ليس ضد خصومه فحسب، بل حتى ضد بعض حلفائه عند الضرورة.
ومن هنا، يبرز القضاء كأحد أبرز ميادين الاشتباك. فرغم إقرار قانون استقلالية القضاء، يبقى النفوذ السياسي في مفاصل القرار القضائي قائماً، ويُستخدم كأداة ردع وتوازن، وربما كـ"سلاح احتياط" في لحظات التحوّل الكبرى.
ففي ملف انفجار مرفأ بيروت، ورغم عدم توجيه أي إجراء قضائي مباشر ضد حزب الله، سعى الحزب منذ اليوم الأول إلى فرض ضوابط على التحقيق، وصولاً إلى تهديد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار ومخاصمته علناً. هذا المسار انفجر سياسياً وأمنياً في أحداث الطيونة، التي سقط فيها 7 قتلى وعشرات الجرحى، بالتزامن مع زيارة وكيلة وزارة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند إلى قيادة الجيش. يومها، حسم الجيش تلك الأحداث بصرامة، مؤكداً أنه "الآمر الناهي" على الأرض.
ومن المفارقات التي جرى توظيفها سياسياً، اتهام الحزب للقاضي البيطار بتنفيذ "أجندات سياسية"، رغم أن الأخير لا يُصنَّف ضمن ما يُسمّى "محور السفارات"، بل إن الانتماء السياسي لعائلته، ووالده تحديداً، يدور في فلك التيار القومي العربي وخط المقاومة.
ومع اقتراب الحديث آنذاك عن صدور القرار الظني، اتجهت المواجهة إلى مسار آخر: "انقضاض قضائي" على خصوم الحزب. إذ أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت بلال حلاوي مذكرة توقيف وجاهية بحق حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. خطوة قُرئت في حينه كرسالة مزدوجة: توجيه ضربة إلى القوى المناوئة، وتثبيت أن ميزان القوة لا يُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بمن يملك مفاتيح الملاحقة والتوقيف.
وتوقفت أوساط سياسية عند رمزية القاضي حلاوي، الذي تم استهداف محيط منزله في منطقة المصيطبة من قبل إسرائيل، ويُعدّ محسوباً على بيئة الحزب، في حين أن شقيقه استشهد في مواجهة العدو الإسرائيلي، وشقيقه الآخر أصيب في انفجار أجهزة "البايجر".
ولم يتوقف منطق "فائض القوة" عند ملفي المرفأ وسلامة، بل تمدد إلى وقائع ميدانية وسياسية أخرى. من بينها فعاليات إضاءة صخرة الروشة بصورة السيد حسن نصر الله، وما رافقها من توترات وتهديدات وُجهت لرئيس الحكومة حينها، قبل أن تنتهي المسألة بتسوية قضت بتجميد نشاط الجمعية المنظمة لفترة. كما تجلّى هذا المنطق في التجمهر أمام مكتب جرائم المعلوماتية دفاعاً عن مناصرات للحزب قيد التحقيق بجرم القدح والذم والتحريض.
واليوم، يتجه الحزب إلى مسار أكثر حساسية: ترويض الجميع عبر بوابة ديوان المحاسبة، من خلال الدفع باتجاه تمديد اختصاصه ليشمل محاكمة الوزراء، دون الالتزام بالمادة 70 من الدستور، ما خلق عملياً ازدواجية ملاحقة بين الديوان والمجلس النيابي.
ويبرز ملف وزارة الاتصالات كنموذج حي لهذا النفوذ المركّب. فمنذ عام 1990 لم يتولَّ وزير شيعي هذه الحقيبة، لكن رئاسة لجنة الاتصالات البرلمانية بقيت دائماً في عهدة الثنائي الشيعي، ما يفتح باب السيطرة غير المباشرة على واحدة من أكثر الوزارات حساسية، مالياً وسياسياً وأمنياً.
ومع تحريك ملف الاتصالات قضائياً، تنقّل بين أيدٍ محسوبة على الثنائي: من القاضي أسعد بيرم الذي ترك أمر مقاضاة الوزراء أو عدمه لمجلس النواب، إلى رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران الذي تلقى تهديدات مشبوهة وجرى الترويج لوقوف إسرائيل وراء استهداف مكتبه خلال حرب الإسناد الأخيرة، وصولاً إلى القاضي عبد الرضى ناصر الذي أصدر التقرير الأخير.
ويُذكر أن القاضي ناصر كان مرشح الثنائي لتولي منصب وزاري وتم الاعتراض عليه، ثم تعرضت محيط أملاكه للقصف الإسرائيلي في الحرب الأخيرة، وترافق ذلك مع تهديد مشبوهة بقصف مكتبه أسوة برئيسه القاضي محمد بدران.
وبهذه القبضة الحديدية على ديوان المحاسبة، يرسل حزب الله رسالة سياسية واضحة: إذا كانت المادة 70 من الدستور تُخرق لملاحقة وزراء الاتصالات، فيمكن تكرار الأمر في أي وزارة أخرى، ولا سيما وزارات سيادية وحساسة كالعدل أو الداخلية أو الدفاع، وهي وزارات لم يتولَّها أي وزير من الطائفة الشيعية.
وبناءً على اجتهادات سابقة، يصبح بإمكان الديوان أن يفتح باب الملاحقة حتى بحق رؤساء الجمهورية السابقين على خلفية مراسيم وقّعوها، وهي بالآلاف لأي رئيس، باعتبار أن المراسيم تحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية لنشرها في الجريدة الرسمية. كذلك الأمر بالنسبة للمدراء العامين ورؤساء البلديات وقادة الأجهزة الأمنية على مختلف رتبهم، وكل من ينطبق عليه توصيف "موظف عام".
الأخطر هنا أن سلاح الديوان لا يتوقف عند الملاحقة، بل يمتد إلى القدرة على مصادرة الأملاك الخاصة تحت مبدأ المسؤولية الفردية من المال الخاص، ما يعني عملياً أن الجميع يصبح تحت التهديد: السياسي، الإداري، العسكري، وحتى المرجعيات الدينية التي قد تُقحم لاحقاً في مسارات مشابهة.
وهكذا، في لحظة يتعاظم فيها الضغط الخارجي على سلاح حزب الله، يردّ الحزب بسلاح من نوع آخر: سلاح القضاء، أو "القضاء المُسلَّح" سياسياً، لإبقاء الخصوم في موقع الدفاع، ولترسيخ معادلة مفادها أن أي محاولة لنزع السلاح أو تحجيم النفوذ، لن تمر بلا كلفة داخلية عالية… بل قد تعني فتح أبواب الدولة نفسها على فوضى المحاكمات والملفات والاتهامات، من دون سقف أو حدود.
في الخلاصة، يبدو أن لبنان يدخل مرحلة جديدة: السلاح ليس وحده على الطاولة. القضاء أيضاً أصبح جزءاً من المعركة. وفي بلد تحكمه التسويات لا المؤسسات، يصبح السؤال أخطر: هل يتحول القضاء إلى دولة داخل الدولة؟ أم إلى آخر خطوط الدفاع عن "الدولة العميقة" التي يحصّنها حزب الله… قبل أي مواجهة كبرى؟
ليبانون ديبايت - وليد خوري
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|