كتاب من أبو الحسن إلى وزيرة التربية: أنصفوا المدرسة الرسمية بمعالجة هذه البنود
سباق على شفير الانفجار بين القرار الإيرانيّ والساعة الأميركيّة
كتب أنطوان العويط:
في توقيت بالغ الدلالة، صدر بيان لافت أعقب لقاءً جمع سفيرَيْ الولايات المتّحدة الأميركيّة في بيروت وتل أبيب في حرم سفارة بلادهما في الأردن، واعتُبر بمثابة خارطة طريق للإدارة في واشنطن، تعلن من خلالها، وبصورة شبه رسميّة، أهدافها حيال إرساء سلامٍ مستدام وفعّال بين لبنان وإسرائيل.
في موازاة هذا التطوّر، يتقاطع رأي شريحة واسعة من المراقبين على أنّ الأيّام المقبلة تحمل طابعًا مفصليًا في تحديد مصير المواجهة المحتملة مع إيران، بين خيار الانزلاق إلى الحرب أو العودة مرّة أخرى إلى طاولة المفاوضات.
أمّا لبنان الذي تلقّى حزمة دعم تنمويّ من دولة قطر، فتحت أبوابًا منعشة ومحفّزة كانت حتى الأمس مقفلة، فهو يظلّ واقفًا عند تقاطع بالغ الدقّة والخطورة. يعود ذلك إلى التصعيد العسكريّ الإسرائيليّ الواضح من ناحية، وإلى تثبيت "حزب الله" مواقفه السابقة الرافضة لتسليم سلاحه، وإيحائه بامتلاكه إضافة قرار الحرب والسلم، بالرغم من القرارات والمواقف الرسميّة المغايرة للرئاسة والحكومة. وهذا عكسته إشارته بأنّه لن يكون على الحياد في أيّ حرب جديدة قد تُشنّ على إيران، معيدًا لبنان مرة أخرى إلى قلب الصراع الإقليميّ المفتوح.
يبقى هذا المسار المتشعّب برمّته معلّقًا على القرار الإيرانيّ وجواب طهران على الشروط التي يطرحها الرئيس الأميركيّ - وفق قراءة إسرائيليّة - إذ إنّ الكرة باتت بوضوح في ملعبها. فهل تقبل بالشروط الأميركيّة، وفي طليعتها الوقف الكامل لكل أنشطة تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانيّة، وتفكيك أجهزة الطرد المركزيّ، إلى جانب تدمير الترسانة الصاروخيّة الإيرانيّة أو تحجيمها بما لا يشكّل تهديدًا لأمن إسرائيل أو للقواعد الأميركيّة المنتشرة في المنطقة، فضلًا عن وقف دعم وتمويل وتسليح الأذرع والوكلاء في لبنان والعراق واليمن.
أمام طهران، خياران لا ثالث لهما. إمّا الإقدام على تنازل استراتيجيّ مؤلم يهدف إلى تفادي الحرب والحفاظ على بقاء النظام، مع الإقرار بالواقع الإقليميّ الجديد الذي جُرّدت فيه من معظم أوراق القوّة التي كانت تستند إليها لتكريس دورها وتبرير نفوذها؛ وإمّا رفض اتّفاق يُصاغ بشروط أميركيّة خالصة، بما يعني عمليًا فتح الباب أمام مسار تصادميّ قد يكتب بداية نهاية النظام. ومن منظور إيرانيّ عقائديّ - أيديولوجيّ، قد تبدو هذه المجابهة، بكل كلفتها، أقل وطأة من ثمن التسوية أو ما يُنظر إليه كـ"استسلام"، في معادلة تختلط فيها حسابات البقاء بمنطق العقيدة.
المرجّح أنّ أي مواجهة أميركيّة محتملة مع إيران، إذا ما وقعت، ستبقى محصورة في الإطار الجوّي، من دون خطط لإنزالات برّية أو إرسال قوات على الأرض أو الذهاب نحو احتلال مواقع أو أراضٍ إيرانيّة. فدونالد ترامب، وفق مقاربته المعهودة، يسعى إلى حرب بأدنى كلفة ممكنة، ولا سيما على مستوى الخسائر البشريّة، ويتطلّع إلى تحقيق ما يمكن وصفه بإنجاز سريع ونظيف، على غرار النموذج الذي حقّقه في فنزويلا.
غير أنّ التجارب العسكريّة تؤكّد بوضوح أنّ الضربات الجوّية وحدها لا تحسم الحروب ولا تُسقط الأنظمة، ما لم تستند إلى واقع موازٍ يُمكن البناء عليه واستثماره سياسيًّا وأمنيًّا. وفي الحالة الإيرانيّة، تبدو هذه الركيزة مفقودة إلى حدّ كبير، أو على الأقل غير واضحة المعالم، بعد أن نجح النظام في قمع وإجهاض الحراك الشعبيّ، بينما ظهرت قوى المعارضة مفكّكة وغير منظّمة، محرومة من قيادة جامعة أو مشروع بديل قادر على تقديم بديل قابل للحياة.
وعليه، فإنّ فرصة إسقاط النظام من الداخل ستكون أكثر تعقيدًا وأقلّ توافرًا، وفق تقييم حديث جدًا لـ"مجلس العلاقات الخارجيّة الأميركيّ"، وهو من أعرق مراكز الفكر في الولايات المتّحدة ويُصدر مجلة "فورين أفيرز"، ما لم يكن هناك تحضير مسبق أو خرق فعليّ داخل البنية الإيرانيّة نفسها، ولا سيّما على مستوى الجيش أو عبر شخصيّات ورموز سياسيّة تُصنَّف في خانة "الاعتدال". من دون ذلك، تبقى أي حرب جوّية، مهما بلغت كثافتها، ضغطًا عسكريًّا محدود النتائج، عاجزًا عن إحداث التحوّل الاستراتيجيّ المنشود.
في مطلق الأحوال، الضربة الأميركيّة، في حال جرى اتخاذ قرار تنفيذها، ستقوم على كثافة ناريّة عالية تستهدف مواقع شديدة الحساسيّة والحيويّة، بدءًا من قلب منظومة القرار، بهدف إحداث صدمة شاملة تُربك القيادة وتُفقد النظام قدرته على التحكّم والسيطرة، تمهيدًا لإعادة تشكيل بنية الحكم وبيئته السياسيّة والأمنيّة.
في هذا السياق، قد يركّز دونالد ترامب على فكرة فصل رأس النظام عن قاعدته، ولذلك لا يتردّد في التلويح، بوضوح غير مسبوق، بورقة استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي. من هنا، يبدو أنّ رهان ترامب - إن استمر - لن يكون على انهيار تلقائيّ، بل على شقوق داخليّة محتملة، يمهّد لمرحلة انتقاليّة تقوم على معادلة جديدة. إيران من دون مرشد أعلى ومن دون حرس ثوريّ، مقابل رئاسة جمهوريّة وجيش يمسكان بالمرحلة الانتقاليّة ويؤمّنان الحد الأدنى من الاستقرار.
وفي هذا الإطار، يتقدّم استنتاج أساسيّ مفاده أنّ أي تسوية محتملة أو إعادة تشكيل للنظام لن تعود إلى الوراء، بل ستُصاغ ضمن توازنات داخليّة جديدة، لا تُعيد إنتاج الملكيّة ولا تستنسخ الماضي، بل تبحث عن صيغة أقلّ أيديولوجيّة وأكثر قابليّة للضبط.
هكذا، تبقى المنطقة كلّها معلّقة على لحظة قرار لم تُتَّخذ بعد، بين حربٍ مؤجَّلة وسلامٍ مشروط، فيما الزمن السياسيّ يضيق والهوامش تُستنزف. عامل آخر لا يجوز إغفاله. إن حدثت المواجهة، التداعيات لن تكون بسيطة على الإقليم بمجمله وعلى شتّى المستويات. إن لم تحدث، ولم يتقدّم المسار التفاوضيّ، فالموضوع يصبح مختلفًا تمامًا وفي مكان آخر.
إنّه انتظار ثقيل، لا يشبه الهدنة ولا يرقى إلى التسوية، بل يختزل مرحلة كاملة تُكتب على إيقاع الترقّب… إلى أن يقول أحدهم كلمته الأخيرة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|