ماذا تكسب إيران من عودة المالكي رئيساً لحكومة العراق؟
تشكّل عودة نوري المالكي المحتملة إلى رئاسة الحكومة العراقية مكسباً سياسياً بالغ الأهمية لإيران، ليس لأنها تستعيد حليفاً قديماً فحسب، بل لأنها تعيد تثبيت نموذج حكم ينسجم مع مصالحها في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد. فالرجل الذي أُخرج من السلطة عام 2014 تحت ضغط داخلي ودولي، عاد اليوم من بوابة التوازنات، مستنداً إلى شبكة نفوذ متجذرة داخل الدولة، ودعم إقليمي محسوب، وحاجة داخلية إلى "رجل خبرة" في زمن الاضطراب.
أول ما تكسبه طهران من عودة المالكي هو ضمان استمرارية نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية. فالمالكي ليس مجرد حليف سياسي، بل يمثل بالنسبة لإيران نموذجاً مجرَّباً في إدارة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، إذ كان خلال ولايتيه السابقتين مهندساً فعلياً لدمج النفوذ المسلح في بنية الدولة، سواء عبر الأجهزة الأمنية أو من خلال تشريعات مثل قانون الحشد الشعبي. وهذا ما يجعل عودته خياراً مفضلاً في لحظة تسعى فيها طهران إلى تقليص كلفة الصدام المباشر مع واشنطن، دون التخلي عن نفوذها.
ثانياً، ترى إيران في المالكي ضمانة لإدارة التوازن مع الولايات المتحدة. فرغم صورته كحليف لطهران، أثبت سابقاً قدرة على التعامل مع واشنطن في أصعب الظروف، من الانسحاب الأميركي عام 2011 إلى التنسيق الأمني في مواجهة "داعش". وهذا ما يجعله، من وجهة النظر الإيرانية، شخصية مناسبة لمرحلة تتطلب تهدئة محسوبة لا مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة على الفصائل المسلحة.
أما المكسب الثالث فيتمثل في إعادة ضبط البيت الشيعي من الداخل. فعودة المالكي تعني إعادة ترميم مركز القرار داخل الإطار التنسيقي، بعد سنوات من التشتت وصعود زعامات فصائلية متنافسة. وبالنسبة إلى طهران، فإن المالكي يمثل نقطة توازن: ليس متصادماً مع الفصائل، ولا خاضعاً لها بالكامل، وقادراً، بحكم خبرته وشبكة علاقاته، على فرض إيقاع سياسي أكثر انضباطاً.
كذلك، ترى إيران في المالكي شخصية قادرة على احتواء الخلافات الداخلية ومنع انزلاق العراق إلى فوضى سياسية قد تستغلها أطراف إقليمية أو دولية لإضعاف نفوذها. فالرجل، رغم سجله المثير للجدل، يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات، ويُنظر إليه داخل طهران على أنه خيار واقعي لا مثالي، لكنه الأنسب في مرحلة انتقالية حساسة.
في المقابل، تدرك إيران أن عودة المالكي ليست بلا كلفة. فالرجل يواجه رفضاً شعبياً، وتحفظات سنّية، وقلقاً أميركياً واضحاً. لذلك، لا تدفع طهران به كحاكم مطلق، بل كجزء من معادلة توازن دقيقة، تُدار فيها السلطة جماعياً، وتُضبط فيها الفصائل، وتُخفف فيها حدة الاستقطاب.
خلاصة القول، أن ما تكسبه إيران من عودة المالكي لا يقتصر على استعادة حليف قديم، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب نفوذها في العراق بأدوات الدولة لا الميليشيا، وبسياسة الاحتواء لا الصدام. إنها عودة محسوبة لرجل تعرفه جيداً، وتراه الأقدر على إدارة مرحلة تتقلص فيها الخيارات وتتسع فيها المخاطر.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|