المالكي بين إرث الماضي الثقيل وإدارة التوازنات الصعبة
استقر رأي "الإطار التنسيقي"، وهو التحالف الشيعي الحاكم في العراق الذي يضم غالبية المكونات الشيعية باستثناء تيار السيد مقتدى الصدر، في نهاية المطاف، على تسمية رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي مرشحًا له لخوض غمار ولاية حكومية ثالثة. بيد أن انتقاء المالكي لم يمر بسلاسة، بل أتى بعد مخاض عسير داخل البيت الشيعي الواحد. فتسميته لم تكن بالإجماع بل بالغالبية، ما يشي بأن الترشيح لم يكن نتاج توافق شيعي عارم، إنما نجم عن تسوية داخلية يمكن وصفها بالهشة، تدل على عمق الشرخ في جسم "الإطار".
ما رشح من معلومات من كواليس مداولات "الإطار"، يفيد بأن أبرز الفرقاء الشيعة الذين تحفظوا على تسمية المالكي، قبل أن يسيروا به على مضض، هم "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، و "تيار الحكمة" بزعامة عمار الحكيم، في مقابل دعم جلي من جانب زعيم "تحالف الفتح" هادي العامري وقوى أخرى متعددة. وهنا يعتبر المراقبون أن تعاظم المخاوف من تشتت آراء مكونات "الإطار" إلى حد انقسامها عموديًا، لم يترك لها خيارًا سوى المضي في ترشيح المالكي على حساب رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، وحسم الملف، كي لا تبقى كرة اللهب في ملعب القوى الشيعية، المعنية بتسمية مرشحها لتولي قيادة السفينة الحكومية في "بلاد الرافدين" إلى بر الأمان، في خضمّ ظرف داخلي مثقل بالأزمات المتنوعة، وإقليمي محفوف بالمخاطر الأمنية والعسكرية. غير أن غياب الإجماع الشيعي على المالكي، واستبداله بالغالبية، فتح باب التساؤلات في شأن طبيعة الغالبية المفرَزة، وقوة تماسكها على طريق تشكيل الحكومة، المليء بالمطبّات والشروط، خصوصًا أن الاستحقاق الوزاري في العراق بعد عام 2003، لطالما فتح "الشهية الاستيزارية" على تقاسم قالب الجبنة الحكومي.
وإذا كانت تسمية المالكي مرت في ظلال تحفظ شيعي، فإن عودته المرتقبة إلى سدة القرار في البلاد قوبلت باعتراض سني صارخ وواسع، تولّى إطلاقه "المجلس السياسي الوطني"، وهو تحالف سياسي عراقي سني، على غرار "الإطار التنسيقي" الشيعي. ورد "المجلس" توجّسه من تسمية المالكي، إلى "ارتباط مراحل سابقة من وجوده في السلطة بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في الواقع العراقي". بيد أن الموقف السني لم يكن موحدًا بالكامل، فقد غرّد تحالفا "الحسم" بزعامة ثابت العباسي، و "العزم" بزعامة مثنى السامرائي، وهما ضمن "المجلس السياسي الوطني"، خارج سربه، معلنين تأييدهما ترشيح المالكي، ونافيين أن يكون بيان "المجلس" صدر بالإجماع. والتباين السني هذا، خفف من وطأة الاعتراض على المالكي، إلّا أنه زاد في الوقت عينه المشهد السياسي إرباكًا.
النفور والاعتراض السنيّان على رئيس الحكومة العتيد، مردّهما إلى إرث ثقيل في الحكم تركه خلفه المالكي في دورتين حكوميتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، وهي حقبة اتسمت باضطراب أمني شديد في تاريخ العراق الحديث، وشهدت تصاعدًا مطردًا في التوترات الطائفية، معطوفًا على حملات اعتقال جماعية بذريعة مكافحة الإرهاب، استهدفت خصوصًا العراقيين السنة. علاوة على ذلك، اقترنت ولايتا المالكي بملفات فساد كبيرة، وسوء إدارة مرافق الدولة، لتنتهي ولايته الثانية بأخطر منعطف أمني عصف بـ "بلاد الرافدين"، وتمثل باجتياح تنظيم "داعش" مساحات شاسعة من البلاد بسهولة تامة.
في المقلب الكردي، طفا على السطح موقف بارز أتى على شكل رسالة تهنئة ودعم وجهها زعيم "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مسعود بارزاني، إلى المالكي وتضمنت "ترحيبًا بترشيحه واستعدادًا لدعمه في أي خطوات تسهم في معالجة الخلافات وتجاوز العقبات"، ويبدو أن الرسالة طوت أعوامًا من الخلافات بين الرجلين، كانت بلغت حدّ الخصومة. وهنا لا بد من الإشارة إلى زيارة قام بها المالكي إلى بارزاني في تشرين الثاني المنصرم، وقد رشحت معلومات في حينها تفيد بأن خصمَي الأمس أبرما اتفاقًا قضى بدعم ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، مقابل دعم الأخير مرشح "الديمقراطي الكردستاني" وزير الخارجية فؤاد حسين لمنصب رئاسة الجمهورية، الذي يتنافس ومرشح "الاتحاد الوطني الكردستاني" وزير البيئة السابق نزار آميدي، علمًا أن منصب الرئيس، الذي بات فخريًا بعد عام 2003، يتنافس عليه عشرات المرشحين، في جلسة برلمانية يُنتظر أن تُعقد اليوم لانتخاب رئيس كردي، تكون أولى مهامه تكليف رئيس حكومة شيعي.
وفي انتظار انتخاب الرئيس تمهيدًا لتسميته رئيس الحكومة، برز في الساعات الأخيرة رفع واشنطن "بطاقة صفراء" في وجه المالكي، من خلال تحذيرها بغداد من مغبة تشكيل حكومة موالية لطهران. والتحذير جاء بلسان رأس الدبلوماسية الأميركية ماركو روبيو الذي أكد خلال اتصال هاتفي مع السوداني، أن "حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها أن تنجح في وضع مصالح العراق أولًا، وأن تبقيه بعيدًا من النزاعات الإقليمية". وبهذا الاتصال أكدت الإدارة الأميركية المؤكد، وهو أن حكومة عراقية موالية لنظام الملالي المترنح، تُعد مكسبًا له، وهو النظام الغريق الذي "يتعلّق بأي قشة"، أملًا بنجاته من غرق بات محتمًا.
نايف عازار -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|