السلطة تدفع الناس إلى انتفاضة شعبية؟
لم تعد هناك حاجة إلى معلومات أو تحليل. فالمحور الذي تقوده الولايات المتحدة حسم خياره، وقرّر أن قوته تخوّله فرض ما يريد، حيثما يريد، شرقاً، غرباً، شمالاً أو جنوباً. وكل ما قاله رئيس وزراء كندا، في لحظة الحقيقة، هو إن أميركا تسعى إلى الاستفراد بالعالم، دولةً بعد دولة، وشعباً بعد شعب، وقدرةً بعد قدرة، فيما لا ترى في من يقفون في مواجهتها سوى مجموعات بشرية قليلة وضعيفة.
وإذا كان من غير المتوقّع، على الأقل في المدى المنظور، أن تبادر قوى كبرى كالصين، أو دول وقوى وسطى، كالتي أشار إليها المسؤول الكندي، إلى فعل نوعي مضاد، فإن المرجّح، لا المفاجئ، هو المزيد من البلطجة والمزيد من الجرائم الأميركية في أنحاء العالم كلّه.
في منطقتنا، تدفع السياسة الأميركية الجميع إلى الزاوية، وتخيّرهم بين الاصطفاف إلى جانبها صاغرين، أو الوقوف تحتها خاضعين. فهي لم تعد تقبل بنصف تحالف أو ربع تعاون، ولا بالصمت أو الحياد أو غضّ الطرف، بل تريد مشاركة فعّالة من كل من يرى نفسه في صفّها.
وفي هذه المنطقة، تتولى إسرائيل قيادة هذا الجانب من التحالف. فتقيم تعاوناً مباشراً مع دول لم تعد تخجل بعلاقتها مع الكيان، كإمارات آل زايد، أو مغرب الملك المرتجف، أو الانفصاليين الذين ينتشرون في سوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان والصومال، وتقدّم خدماتها الأمنية والعسكرية، مع اشتراط الإشراف المباشر على كل تعاون وكل دعم.
أما حلفاء إسرائيل من الدول والقوى، فهم في حالة استسلام شبه كامل. يقدّرون أن الأمور غير قابلة للإصلاح، وأن مقاومة هذا الهجوم تُعدّ فعلاً انتحارياً. لكنهم لا يكتفون بذلك وبالوقوف جانباً، بل باتوا أكثر انخراطاً في المشروع نفسه. ولا يبدو أن أي أقلية مرشّحة للاستفاقة، حتى بعد ما جرى مع أكراد سوريا الذين ظنّوا أنفسهم حلفاء لأميركا فأصابهم ما أصابهم. بل لا تزال هذه القوى الانفصالية ترى أن مستقبلها لا يكون ولا يستمر إلا بالانخراط في المشروع الأميركي - الإسرائيلي.
بطبيعة الحال، هناك نقاش واسع حول سلوك وأداء القوى الحاكمة في دول المنطقة كافة، وهو نقاش سبق أن دار مع أنظمة كالتي سقطت في العراق وسوريا. ولكن لا يظهر في الأفق ما يشير إلى أن من استولى على السلطة يريد شراكة فعلية مع الآخرين. وما شهده عالمنا العربي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية كافٍ للقول إن أي نظام لا يفهم لغة شعبه، سينهار على حين غرة، ولن يكون بمقدور العالم كله حمايته.
في لبنان، يبرز الخطر في أوضح صوره، لا لأن المشروع الأميركي - الإسرائيلي شديد الوضوح والصلافة فحسب، بل لأن قوى محلية، ولا سيما تلك المرحّبة بالغزو الخارجي، تعتقد أن مستقبلها مرهون بالخضوع للإدارة الأميركية. وما شهدناه بعد عام على الحرب الإسرائيلية يكشف أن عملاء أميركا وإسرائيل ليسوا قلّة ولا محدودي النفوذ والتأثير.
غير أن الأخطر من ذلك، أن كتلة وازنة من اللبنانيين، ممّن يقرّون بخطر المشروع الأميركي - الإسرائيلي، اختاروا الاستسلام بذريعة العجز عن المقاومة. وهي ذريعة لا تعني سوى أمر واحد: أنهم لا يريدون بذل الجهد، ولا تقديم أي تضحية من أجل بلادهم، ما يجعلهم شركاء فعليين في الغزو الكبير.
ما تقوم به سلطة الاستسلام، سواء على رأس مؤسسات الدولة اللبنانية أو في جنباتها، هو بالضبط سلوك المستسلم الذي لا يكتفي برفض المقاومة، بل لا يريد لأحد أن يُقاوم. وهم يظهرون استعدادهم لتقديم المزيد من التنازلات، ويعبرون عن ذلك في خطبهم ومواقفهم وقراراتهم، وكذلك في التزاماتهم التي سرعان ما تكشفها الأيام.
اليوم، يستعدّ مجنون العالم لمغامرة جديدة، عنوانها المعلن إيران، فيما هدفها الفعلي إخضاع المنطقة بأكملها بضربة واحدة، وتلزيم إسرائيل إدارة هذه البلدان ونهب ثرواتها، أما غايتها الأهم فهي تفتيت المنطقة وإغراقها في حروب أهلية لا تنتهي. ووسط هذا الجنون، ثمّة في لبنان من يراهن بقوة على هذه المغامرة. وهناك فريق داخل مؤسسات السلطة، وبين القوى السياسية، وحتى في نادي رجال المال، يعتقد بأن ضربة أميركية لإيران ستسهّل القضاء على حزب الله.
ومن بين هؤلاء من يرفع شعار السيادة، لكنه لا يعارض الاستعانة بالجيش السوري، بقيادة أحمد الشرع، للتخلص من حزب الله والمقاومة. وهذا التيار يقف اليوم على التل، متوهّماً أن أميركا ستتولى ضرب المركز العالمي لقوى المقاومة وستقطع الرأس، لتتهاوى بعدها سائر الأطراف.
المشكلة مع هؤلاء أنهم يتغافلون عن حقيقة أنهم يدعون إلى قتل جزء من شعبهم، ويمارسون عملياً تحريضاً على قتل لبنانيين من أبناء جلدتهم. ويفترضون، وهماً، أن هذه الجماعة ستقف مكتوفة الأيدي وتُعلن الاستسلام طلباً للنجاة. ومشكلة العقل الحاكم لدى هذه المجموعة من العملاء اللبنانيين أنها هي نفسها، قادة أو ورثة، راهنت قبل أكثر من أربعين عاماً على أميركا وإسرائيل، ورحّبت بالجيوش الإسرائيلية والأميركية والأوروبية، وبنت جيشها الخاص الذي باشر عمليات قمع منظّم ضد أهله.
مشكلة هذه المجموعة لم تعد في عقلها المريض فحسب، بل في جهلها بتجارب التاريخ. واعتقادها بأن التغني بزمن مضى إلى غير رجعة قد يعيد لها بريقها وقدرتها على الحكم.
وأخطر ما في الأمر أن هذه المجموعة من المرتزقة، المنتشرة بين مؤسسات الدولة وقواها السياسية والدينية والاقتصادية، لم تدرك أن من يحاول إعادة تكرار التاريخ عليه أن يتذكر أن التاريخ نفسه حمل أقسى الردود على مثل هذه الحملات. وما نشهده اليوم من تجاهل لحقوق الناس في الأرض والتحرير والتنمية والسيادة والحرية، ليس إلا تكراراً لتجاهل مماثل واكب الغزو الكبير عام 1982، وكانت نتيجته انتفاضة شعبية أعادت الأمور إلى ما قبل الاجتياح، وأسقطت محاولات التطبيع مع العدو، انتهى إلى تغيير نوعي في طبيعة النظام الحاكم في لبنان.
اليوم، تبدو الأمور متجهة نحو تكرار التجربة ذاتها، ما يعني أن ثمة حاجة فعلية إلى انتفاضة شعبية في مواجهة الحكم القائم. وقد تكون هذه الانتفاضة معبراً إلزامياً لتصحيح الخطأ. وهي انتفاضة سياسية بامتياز، لكنها تفتح في الوقت نفسه كوة واسعة في جدار الأزمة الاقتصادية. وهي انتفاضة لا يمكنها انتظار نخب وقوى لا تزال غارقة في النقاش حول «جنس الملائكة»، بل انتفاضة ستخلق قادتها وكوادرها بنفسها، وستكتشف أن الناس كانوا في انتظارها. وستكون انتفاضة ضرورية لحماية المقاومة وسلاحها، لا العكس.
ابراهيم الامين -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|