روّجا المخدّرات في كورنيش النهر... ومفرزة استقصاء بيروت توقفهما
ماذا يمكن ترامب أن يفعل للبنان؟
من دافوس وفي مرحلة إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد، وعلى وقع تصعيد إسرائيلي واسع وعنيف ضدّ الجنوب اللبناني، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يطلق إشارات سياسية لافتة، أبرزها قوله لدى افتتاحه الإجتماع الاول لـ»مجلس السلام» لغزة: «سأفعل شيئاً من أجل لبنان». ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف عبارة لا تقلّ دلالة حين قال إنّ «حزب الله في لبنان بات بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه سابقًا»، مؤكّدًا أنّه «لا بدّ من القيام بشيء حيال ذلك». موقف مقتضب، لكنه كثيف المعاني، وجاء بلا توضيح عملي، ما فتح الباب واسعاً أمام تفسيرات وتأويلات سياسية كثيرة.
هذا الغموض في كلام ترامب ليس تفصيلاً عابراً ولا زلّة خطابية. فالرجل، المعروف بأسلوبه المباشر حينًا والملتبس حينًا آخر، والمعروف أيضاً باستخدام المواقف العلنية كأدوات ضغط، يدرك أنّ أي موقف صريح تجاه لبنان أو «حزب الله» يلامس شبكة شديدة التعقيد من التوازنات: إسرائيل، إيران، «حزب الله»، الدولة اللبنانية، والمجتمع الدولي. من هنا، يمكن قراءة كلامه على انّه رسائل سياسية محسوبة أكثر منه إعلان نيات أو خطة عمل.
على انّ أكثر السيناريوهات رجحاناً أن يكون «الشيء» الذي لمّح إليه ترامب مرتبطًا بمحاولة ضبط التصعيد على الحدود الجنوبية. فتاريخياً وحاضراً، لعبت الولايات المتحدة الأميركية دوراً محوريًا في إدارة التوتر بين لبنان وإسرائيل، لا من باب منعه كلياً، بل من باب إبقائه ضمن حدود يمكن التحكّم بها. وفي ظل القصف التدميري الأخير، قد تسعى واشنطن إلى تحريك قنوات ديبلوماسية غير معلنة أو ممارسة ضغوط هادئة، هدفها الأساس منع انزلاق الجنوب إلى حرب شاملة تُربك الحسابات الأميركية في المنطقة.
وترى بعض الأوساط السياسية، انّه لا يمكن فصل لبنان عن المشهد الأوسع. فالتسوية في غزة أعادت خلط الأوراق الإقليمية، وجعلت الساحة اللبنانية جزءًا من معادلات المنطقة. وعليه، يحمل موقف ترامب رسالة مزدوجة: للبنان من جهة، وللقوى الإقليمية المؤثرة فيه من جهة أخرى، مفادها أنّ واشنطن ترى في الجنوب اللبناني ساحة يجب إبقاؤها تحت السيطرة، لا فتحها على احتمالات غير محسوبة، ريثما تتضح ملامح التسويات الكبرى في الإقليم.
على انّ إشارة ترامب إلى أنّ «حزب الله» بات «بقايا صغيرة» مقارنة بما كان عليه سابقًا، مع تأكيد «ضرورة القيام بشيء حيال ذلك»، ليست توصيفاً بريئاً. فهي تعكس سردية أميركية ـ إسرائيلية تهدف إلى تثبيت فكرة إضعاف الحزب إن لم يكن إنهاؤه، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغط: عسكرياً، أو أمنياً، أو عبر العقوبات، أو من خلال تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية ما يجري. ولكن الأخطر في هذا الموقف الترامبي، أنّه يعيد اختزال لبنان كله في «حزب الله»، ويحوّل أي حديث عن «فعل» أميركي أداة إضافية لإدارة النزاع معه، لا لدعم استقرار لبنان أو حماية سيادته.
وفي هذا السياق، يعود الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» والقرار الدولي الرقم 1701 إلى واجهة النقاش، ولكن ليس من زاوية دعمهم فعلياً، بل من زاوية استخدامهم كغطاء سياسي. فالولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي يكثران من الحديث عن تعزيز دور الجيش وتنفيذ القرار 1701، فيما يُترك الجيش عملياً بلا إمكانات كافية، وتُقيّد حركة قوات «اليونيفيل» ميدانياً، ويُفرَّغ القرار الدولي من مضمونه السيادي. فالقرار 1701 يُستحضر دائماً للضغط على لبنان، لا على إسرائيل، على رغم من خروقات إسرائيل اليومية المتمادية للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، متفلتة من التزام اتفاق «وقف الأعمال العدائية» المعلن منذ 27 تشرين الثاني 2024. أما الجيش اللبناني، فيُطلب منه ما يتجاوز قدراته، من دون توفير الحدّ الأدنى من الدعم السياسي والعسكري الذي يسمح له بأداء دور فعلي. وهكذا، يتحوّل الحديث عن الشرعية الدولية أداة ضغط إضافية على الدولة اللبنانية، لا وسيلة لحمايتها.
وهنا تبرز المعضلة الأساسية: الدولة اللبنانية شبه غائبة عن صناعة القرار. لا واشنطن تتعامل معها كشريك، ولا هي قادرة على فرض نفسها طرفاً فاعلاَ. تُستدعى الدولة عند الحاجة إلى التزامات، وتُهمَّش عند البحث في التفاهمات الفعلية. وبين ضعف الداخل وتجاهل الخارج، يجد لبنان نفسه مجددًا ساحة لا طاولة.
وحتى الآن، لا مؤشرات إلى أنّ واشنطن في صدد تغيير مقاربتها التقليدية تجاه لبنان. مواقف ترامب، على حدّتها، تندرج في إطار إدارة النزاع لا حلّه، وفي محاولة استثمار لحظة إقليمية دقيقة لفرض وقائع جديدة أو تثبيت موازين قائمة. فلبنان، في الحسابات الأميركية، ليس أولوية مستقلة، بل ورقة تُستخدم في بازار التسويات الأكبر. وعليه، لا يعود السؤال الحقيقي: ماذا سيفعل ترامب من أجل لبنان؟ بل: ما الذي يُراد للبنان أن يتحمّله مقابل تهدئة هشة وموقتة؟ وبين الغموض المقصود، والضغط على الجيش، وتسييس القرار الدولي الرقم 1701، يبقى الجنوب تحت النار، وتبقى الدولة خارج القرار، في انتظار ما تقرّره العواصم الكبرى، لا ما يحتاجه اللبنانيون لحماية أرضهم وسيادتهم.
والأخطر في المقاربة الدولية، كما في خطاب ترامب الضمني، هو تحميل الدولة اللبنانية مسؤوليات لا تمتلك أدواتها. يُطلب من الدولة ضبط الجنوب، وتطبيق القرار الدولي 1701، ونزع سلاح «حزب الله»، وحماية الحدود، فيما هي محرومة من مقومات القرار والسيادة والدعم. هذا النوع من الضغط لا يبني دولة، بل يفاقم هشاشتها، ويحوّلها واجهة سياسية تُستَخدم لتبرير الفشل الدولي في فرض التزامات متوازنة على جميع الأطراف، وفي مقدّمها إسرائيل. وإنّ الدفع بالدولة اللبنانية إلى صدارة المواجهة من دون تمكينها فعلياً، ليس حلاً بل وصفة إضافية لعدم الاستقرار. فالدولة التي تُطالَب بكل شيء، من دون أن يُسمح لها بشيء، لا تستطيع أن تكون ضامناً ولا شريكاً، بل تصبح الحلقة الأضعف في نزاع يتجاوزها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتحوّل لبنان رسمياً إلى متّهم دائم بالعجز، لا ضحية معترف بها لنزاع تُدار معادلته من الخارج.
وثمة من يقول إنّ في السياسة، الرسائل غالبًا ما تسبق الأفعال. وقد يكون كلام ترامب موجّها إلى أكثر من جهة في آن واحد: إلى الداخل الأميركي، ليؤكّد أنّ إدارته ما زالت ممسكة بملفات الشرق الأوسط؛ وإلى المجتمع الدولي، ليقول إنّ لبنان لم يخرج كلياً من الحسابات الأميركية؛ وإلى أطراف النزاع، للتلميح إلى وجود خطوط حمر غير معلنة للتصعيد.
طارق ترشيشي - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|