إقصاء المصارف عن مشروع "الفجوة المالية" يقوّض الحل.. هل يلاقيها مجلس النواب؟
"إنها سخرية القدر!". تعبير جاء على لسان مصادر مصرفية أرادت أن "تعلّي السقف" في تحفظها المتكرّر على الطريقة التي يتم التعاطي بها مع القطاع المصرفي في مسار مشروع قانون "الفجوة المالية"، من الصياغة إلى إقراره في مجلس الوزراء، فإحالته إلى مجلس النواب حيث القرار لا يحمل المناقشة... ليس من قِبَل النواب الذين "يحسبون خط الرجعة" حيال المودِعين من جهة، وموظفي المصارف والعاملين في القطاع من جهةٍ أخرى، فالطرفان ناخبان بامتياز ما يدفع بالنواب إلى السير بين أشواك مشروع القانون، للوصول إلى نتيجة تُرضي أهل القطاع وأصحاب الودائع معاً، حتى لو اعترف الجميع باستحالة ذلك...
إن مَن يُمسك مطرقة القرار، هو نفسه مَن يُمسكها في جلسات البرلمان وهيئاته العامة: رئيس المجلس نبيه برّي. فلِدَولته حسابات أخرى قد تتماهى مع الحسابات الانتخابية ولكن... الرئيس برّي يُظهر نفسه ملكاً أكثر من الملك" في الدفاع عن المودِعين متناسياً قطاعاً مصرفياً أعال ولا يزال آلاف العائلات، وأقرض مجتمعاً بكامله من رأس الهرم إلى أسفله، ونهض باقتصاد وطن جذب استثمارات العالم سعياً إلى ملاذٍ آمن وجدوه في مصارف لبنان، يوم كانت فوضى مزاريب الهدر تنخر بمؤسسات الدولة وإداراتها، هدرٌ لم يسِل من جيوب مَن أهدروا بل من أموال المودِعين هم أنفسهم الرازحين اليوم تحت رحمة دولة لا تعترف بمسؤوليّتها في توزيع الخسائر، مختبئة خلف مصرف لبنان والمصارف وتحميلهما وحدهما مسؤولية الأزمة، وذلك خوفاً من حَمَلة سندات الـ"يويوروبوندز" الذين نكثت حكومة الرئيس حسان دياب بحقوقهم معلنةً تعثراً في سداد ديونها لهم في سابقة لم يشهد لبنان مثلها حتى في أعتى الحروب وأقسى الظروف وأكثرها سوداوية، لتشهد حكومته انهياراً دراماتيكياً للقطاع المصرفي وانهياراً تاريخياً لليرة اللبنانية حيث بلغ سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة 140 ألف ليرة، إلى أن استقر على سعر صرف 89 ألفاً بعدما كان 15 ألفاً!
فالرئيس بري، وفق الأوساط المصرفية، لا ولم يضرب لأهل القطاع موعداً للاستماع إلى رؤيتهم وملاحظاتهم وهواجسهم...، بل يُجيب من دون إبداء أي سبب ناجع يبرّر "عدم اللقاء": "إذهبوا وسدّدوا الأموال للمودِعين". لكن الرئيس برّي لا يُدرك - كي لا نؤكد الشك باليقين أنه "مُدركٌ" – أن الأموال غير موجودة إلى حين اعتراف الدولة بدينها لمصرف لبنان والذي يعود (أي الدين) إلى احتياطي المصارف لدى "المركزي" وبالتالي هي من أموال المودِعين.
من أين ستأتي المصاف بالأموال لردّ الودائع، طالما أن الدولة التي يرأس دولته سلطتها التشريعية، لا تعترف بديونها لمصرف لبنان الذي عمل على مدى سنوات طوال لسدّ ثغراتها المالية وهدرها المتمادي من دون "رفّة جفن"؟! فالأموال وفق الأوساط المصرفية، "غير موجودة في المصارف، فقد أنفقتها الدولة على تمويل عجز الكهرباء خلال عشرات السنوات، وعلى دعم السلع واستيراد النفط الذي كان يهرَّب إلى سوريا مع كميات الدولارات وبعض السلع المدعومة... من دون أن تجهد الحكومة في سبيل تحسين الجباية، وضبط الإنفاق، وترشيد إيرادات الدولة".
ليس بعيداً، تكشف الأوساط المصرفية أن "لدى جمعية المصارف رؤية واضحة يرفض المسؤولون والمعنيون بالأزمة الاعتراف بها ومناقشتها معها. فهم يرفضون أن يعترفوا بواقع الأمور وأن يستمعوا إلى الحقيقة كما هي بوضوح "من دون لف ودوران"، بل حتى يحاول بعض الجهات تسييس الموضوع في حين أنه تقني فني ومالي بحت. هذا الواقع يؤكد أن العقلية التي كانت سائدة أيام الرئيس دياب هي ذاتها مستمرة اليوم في مقاربة أزمة المصارف وكيفية التعاطي مع القطاع برمّته.
إذ "تبيّن أن الجهات التي كانت وراء المؤامرة على القطاع المصرفي، هي ذاتها تسعى اليوم إلى حلّ الأزمة المصرفية" تقول الأوساط المصرفية، "إذ لجأ بعض المسؤولين المعنيين بالأزمة المالية – المصرفية ومنذ اندلاعها، إلى معادلة ثابتة ومعايير ومقاييس لم تتبدّل منذ ست سنوات في زمن حكومة الرئيس دياب، بدون التوصّل إلى أي حل للأزمة.
فالمطلوب اليوم، على حدّ تعبيرها، "توضيح الصورة "الرمادية"، وكشف حقيقة الأرقام المختبئة، ودين الدولة الفاقع... فالأزمة لم تولد من عدم! بل وليدة ديون استدانتها الدولة من البنك المركزي طوال سنوات مضت بلغت عشرات مليارات الدولارات، فيما المصارف استثمرت في سندات الدولة لإيمانها بأن "الدولة لا تضيّع حقوق أبنائها"، لكنها سرعان ما وجدت عكس ذلك... للأسف!".
بعد هذه السرديّة، تجزم الأوساط المصرفية أن "لا بحث في أي موضوع قبل أن يطّلع المسؤولون والحكومة مجتمعةً على رؤية الجمعية لحل الأزمة، وأن تعترف الدولة بدينها للقطاع المصرفي، على أن يكون هذا الاعتراف مادة للمناقشة مع جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان ووزير المال".
في خلاصة التطورات، يجوز الإقرار بأن إقصاء المصارف عن صياغة الحل أو حتى إبداء وجهة النظر على الأقل، يثير الشكوك في ما إذا كان إبعادها إرضاءً لصندوق النقد الدولي! على أمل أن تبدّد "مفاوضات المستقبل" هواجس "مفاوضات الماضي".
ميريام بلعة -المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|