هل بدأ العد التنازلي لسقوط نظام الملالي؟
منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، لم تشهد إيران موجة احتجاجية بهذا العمق والاتساع. الشوارع الإيرانية من طهران إلى شيراز تصدح بهتافات تطالب بإسقاط النظام، فيما يمر نظام الملالي بأخطر اختبار لبقائه وسط تفاقم أزمات متشابكة اقتصادية وسياسية واجتماعية تنذر بانفجار شامل.
ما بدأ كاحتجاجات محدودة في أسواق طهران التجارية قبل أسبوعين تحول إلى ثورة شعبية تجتاح 31 محافظة إيرانية، مخترقة حتى القلاع التاريخية للنظام في المدن المقدسة. الشباب الإيراني الذي يشكل أكثر من نصف التعداد السكاني يقود موجة غضب غير مسبوقة، لا تطالب بالإصلاح أو تحسين الأداء، بل ترفض كلياً مبدأ ولاية الفقيه الذي قام عليه النظام منذ 47 عاماً.
انطلقت شرارة الاحتجاجات في 28 كانون الأول 2025 من أسواق طهران التجارية، حيث خرج التجار غاضبين من تدهور قيمة العملة الوطنية. لم تمضِ أيام حتى تحولت التظاهرات إلى ثورة شعبية عارمة غطت 180 مدينة بـ512 بؤرة احتجاجية منتشرة في 24 من أصل 31 محافظة إيرانية، وفق وكالة هرانا.
كُسِرت كل المحرمات. في الشوارع، يردد المحتجون علناً هتافات «الموت لخامنئي»، ويشعلون النار في صور المرشد الأعلى ومباني الحرس الثوري، بل ووصل الأمر إلى تسمية شوارع باسم الرئيس الأميركي ترامب. الأبرز أن موجة الغضب اجتاحت حتى المدن الدينية كقم ومشهد، القلاع التقليدية للنظام. في مشهد، مُزقت علم إيران الإسلامي وأُحرقت مساجد.
• أربع أزمات تصنع الانفجار الكبير
- الكارثة الاقتصادية: إيران تشهد أعمق وأطول أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث. التضخم وصل 42.2% في كانون الأول 2025، مع توقعات بتجاوزه 60% خلال 2026 وفق صندوق النقد الدولي. العملة الوطنية انهارت إلى 1.47 مليون ريال للدولار، خاسرة أكثر من 90% من قيمتها منذ 2018، أي أن الريال فقد 20 ألف ضعف قيمته منذ 1979.
57٪ من الإيرانيين يعانون من سوء التغذية، ونصف الشعب يعيش على أقل من 2,100 سعرة حرارية يومياً. أكثر من الثلث تحت خط الفقر، ومعدلات البطالة بين الشباب تلامس 25%. سبعة ملايين إيراني يعانون من الجوع، واللحوم أصبحت سلعة ترفيهية.
- أزمة الشرعية الأيديولوجية: تآكل لا رجعة فيه لمصداقية النظام. جيل كامل يمثل أكثر من نصف المجتمع لم يعد يصدّق ولاية الفقيه. التحول الأخطر يكمن في طبيعة المطالب التي لم تعد تتحدث عن إصلاح، بل عن رفض كامل لمبدأ ولاية الفقيه كأساس للحكم.
- المأزق السياسي: إغلاق تام لأي أفق تغيير. الرئيس مسعود بزشكيان، المنتخب عام 2024 على وعود بالإصلاح، اعترف علناً بعمق الأزمة وأعرب عن تعاطفه مع المتظاهرين، لكنه صرّح بعجزه الكامل. في آذار من العام الماضي قال إنه يفضل التفاوض مع واشنطن لكن تم تجاوزه.
الأخطر هو فراغ السلطة المحتمل مع تدهور صحة خامنئي البالغ 86 عاماً، حيث تتصارع أجنحة النظام على الخلافة دون توافق. القضاء هدد المتظاهرين بالإعدام، وبالفعل حُكم على المحتج إرفان سلطاني (26 عاماً) بالإعدام في 14 كانون الحالي.
- الأزمة المجتمعية: المحتجون رفعوا شعار «لا غزة ولا لبنان، أفديكِ بروحي يا إيران»، رافضين تبديد ثروات الوطن في مغامرات خارجية. إيران خسرت استثمارات بقيمة ملياري دولار في فنزويلا بعد سقوط مادورو، وخسرت حليفها بشار الأسد في سوريا.
• ميزان القوى المختل
للنظام أدوات صمود تتمثل في الحرس الثوري بميليشياته الضخمة وشبكة أمنية واسعة. وسائل الإعلام الحكومية تصور البلاد بأنها هادئة، والنظام استورد 800 عنصر من ميليشيات أجنبية لقمع الاحتجاجات. كما ذكرت وسائل إعلام إيرانية مقتل 109 من قوات الأمن.
لكن نقاط الضعف بنيوية وعميقة: فقدان غير قابل للانعكاس للشرعية الشعبية والدينية، أزمة اقتصادية مستعصية تدفع بهروب رؤوس الأموال بقيمة 21.7 مليار دولار سنوياً، تراجع النفوذ الإقليمي بعد سقوط الأسد وتدمير إسرائيل لحماس وحزب الله، وأزمة الخلافة المرتقبة.
تقييمات استخبارية أميركية أولية رأت أن الاحتجاجات تفتقر للزخم، لكنها تعيد النظر الآن. المسؤول السابق في CIA نورمان روول وصف اللحظة بأنها «استثنائية حقاً»، والنائب البريطاني السابق توم توغندهات قال: «هذه نهاية اللعبة للنظام، السؤال ليس هل سينجو، بل كم شخصاً سيحاول قتله».
• مفترق طرق تاريخي
تقف إيران عند مفترق يختلف جوهرياً عن الأزمات السابقة. السؤال المحوري انتقل من «هل سيحدث التغيير؟» إلى «متى وكيف؟» خامنئي رفض عرض ترامب الواضح: تفكيك البرنامجين النووي والصاروخي ووقف تمويل الوكلاء الإقليميين مقابل الوصول للعملات الأجنبية وتحقيق الاستقرار. الأيديولوجيا تتقدم على البقاء.
ما يطرح ثلاثة سيناريوهات: انهيار تدريجي للبنية الحاكمة، انتقال سياسي عنيف وفوضوي، أو إصلاحات قسرية من داخل المنظومة. محللون في معهد هدسون يقولون إنه «لا يوجد سيناريو تنجو فيه الجمهورية الإسلامية من 2026 وسلطتها سليمة».
التحوّلات المرتقبة في دولة بحجم إيران (90 مليون نسمة) وموقعها الجيوستراتيجي ستعيد تشكيل خريطة القوى الإقليمية بالكامل. مع استمرار حظر الإنترنت، تبقى الصورة الكاملة غامضة، لكن المؤشرات تشير إلى أن النظام الإيراني يواجه أخطر تحدٍ له منذ عقود - تحدٍ لا يقتصر على الشارع، بل يشمل انهياراً اقتصادياً وعزلة دولية وهزائم عسكرية وأزمة خلافة، كلها تتقاطع في لحظة واحدة.
زياد عيتاني - "اللواء"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|