عربي ودولي

دماءٌ في كوبا... العدّ العكسي ينطلق

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

"خِصْيتا الغرب". هكذا وصَفَ المدينة.

التشبيه النزق، بشكل غير مفاجئ، هو للزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروتشيف. أما المشبَّه فهو الاسم الأكثر شهرة في الحرب الباردة: "في كل مرّة أريدُ أن يصرخ الغرب، أضغط على برلين".

كانت برلين الغربية مقصد الهاربين من الحكم السوفياتي للانتقال إلى الغرب. بين 1949 و1961 تم تسجيل نحو 3.5 مليون شخص انتقلوا إلى ألمانيا الغربية. لم يكن ذلك واقعاً مشابهاً لدعاية موسكو عن نظامها "المشتهى".

التشابك القاتل

حاول الزعيم السوفياتي الأسبق، أولاً مع الرئيس دوايت أيزنهاور، ولاحقاً مع خلفه جون كينيدي (والدتُه لم تسلم من شتائم خروتشيف بالمناسبة)، الضغطَ على الأميركيين للانسحاب من برلين الغربية. قوبل الأمر بالرفض. ولم يحلّ الجدار الذي بني لاحقاً كل القضية. لذلك، كانت برلين أحد أسباب أزمة صواريخ كوبا. في جانب معيّن، اعتقد خروتشيف أنه إذا لم تتحرك أميركا في كوبا، فبالتأكيد لن تتحرك دفاعاً عن مدينة بعيدة ومعزولة في أوروبا.

حينذاك، انتهت الأزمة مع تعهد علني من كينيدي بعدم التدخل العسكري في كوبا، وباتفاق سري بسحب صواريخ باليستية أميركية من تركيا. تمكن الطرفان تقريباً من حفظ ماء الوجه. لكن المشكلة الأساسية تمثلت بأن جرأة السوفيات على افتعال أزمة كهذه انبثقت عن تطويرهم ترسانة نووية جعلتهم يعتقدون أن الولايات المتحدة لن تردّ على تحدّياتهم.

عملياً، عكست النتيجة النهائية لأزمة الصواريخ موازين القوى. خرجت أميركا منتصرة نسبياً: كان ثمة شك في رغبتها بغزو قريب آخر للجزيرة بعد فشل 1961، كما أنها كانت ستفكك صواريخها المنشورة في تركيا، حتى قبل تقدّم موسكو بطلبها. نتج هذا الانتصار الصعب عن حجم الترسانة الأميركية: فقد امتلكت واشنطن من الرؤوس النووية ما فاق مخزون الاتحاد السوفياتي بنحو سبع مرات.

حساباتٌ مِن، وللحرب الباردة

إذا كان بإمكان الاتحاد السوفياتي الضغط على واشنطن في ظل خلل كبير للتوازن النووي فسيكون بإمكان روسيا، وخصوصاً الصين، ممارسة ضغط أكبر في كوبا مع ترسانات وصواريخ أكثر تعقيداً. نظرياً، لن ترغب الصين وروسيا بمغامرة كهذه في كوبا، حتى لو امتلكتا القدرة على ذلك.

لكن التخطيط البعيد المدى لا يأخذ بالاعتبار نوايا الخصم وحسب، بل قدراته أيضاً. من المرجح أن تنحصر الطموحات الصينية حالياً في "الجوار القريب"؛ لكن على المدى البعيد، قد تتغير الأمور. هذا جزء واحد فقط من حسابات الإدارة. في نهاية المطاف، لا تستند كل الحسابات على سيناريوات "نهاية العالم". ثمة قضايا أخرى قد تجذب اهتمامات واشنطن لإطاحة الحكم في كوبا، ومنها ما هو شخصي.

دماء... الجواب في الكتاب

الانفتاح الذي قاده الرئيس الأسبق باراك أوباما على الجزيرة هو دافع محتمل لاستياء ترامب، كما كان توقيعه على الاتفاق النووي. ثم هناك "متلازمة هافانا"، أو الأعراض الصحية الغريبة التي طالت ديبلوماسيين أميركيين في كوبا، والتي يشتبه البعض بضلوع السلطات المحلية أو روسيا فيها. وإذا كان ترامب ينوي رفع مستوى العلاقات التجارية مع أميركا الجنوبية، بالتوازي مع "فك الارتباط" عن الصين، فستكون كوبا حجر عثرة جغرافياً، ولو صغيراً، في وجه هكذا طموح. علاوة على ذلك، ستعدّ الإطاحة بحكومة هافانا، خصوصاً إن تمت بسلاسة، إنجازاً لترامب. فهي ستستدعي المقارنة مع غزو خليج الخنازير الذي فشل تحت قيادة رئيس أميركي شعبي.

لا تعني هذه الهواجس وغيرها أن بالإمكان الجزم بخيار ترامب حيال كوبا. فقد يوجّه أنظاره إلى دول أخرى، وربما ينتظر تبلور تطورات الأحداث في فنزويلا ليبني على الشيء مقتضاه. وما يصعّب قراءة الأمور أكثر هو إعلان ترامب أن بلاده قد لا تضطر لفعل أي شيء في كوبا، لأن حكمها على مشارف السقوط. لكن ذلك قد يكون مجرد خداع. فقبل الهجوم، انتشرت تقارير أميركية عن اتجاه ترامب إلى تسوية مع الرئيس السابق نيكولاس مادورو.

في كتابه "فن الصفقة"، يستخدم ترامب عبارة "اشتمام (رائحة) الدماء" للدلالة على اللحظة التي يدرك فيها أحد المتفاوضين ضعف وخوف الطرف الثاني. في فنزويلا، ثمة دماء كوبية فعلية سالت للدفاع عن مادورو، باعتراف الكوبيين أنفسهم. هذا إلى جانب أن كوبا ستخسر إمداداتها النفطية من فنزويلا.

اشتمّ ترامب الرائحة بالتأكيد. ربما يكون السؤال التالي، "كيف"، لا "هل" ستنقضّ أميركا على ضحيتها التالية. فبحسب الرئيس الأميركي، بمجرد وصول هذه الرائحة إلى الطرف الأقوى، "عندها، أنت ميت".

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا