الصحافة

من كاراكاس إلى طهران: بداية النهاية لمحور “الممانعة”

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الضربات الأميركية التي استهدفت كاراكاس، والحركات الاحتجاجية المستمرّة منذ أكثر من أسبوع في إيران، ليست مجرّد أحداث عابرة في الأخبار. بل تكشف، على طرفَيْ النظام، عن الإرهاق التدريجي لنموذج سلطة قائم على المواجهة الدائمة، وتفويض العنف، وتآكل الدولة.

في فنزويلا، يواجه نظام منهك بالفعل ضغطًا عسكريًا مباشرًا يُبرز عزلة البلاد دبلوماسيًّا وانهيار قدرتها على الردع.

في إيران، الركيزة الإيديولوجية والمالية لـ”محور الممانعة”، تعكس الاحتجاجات الاجتماعية أزمة أعمق: أزمة سلطة تتعارض طموحاتها الإقليمية الآن مع التطلعات الاقتصادية والاجتماعية لشعبها.

هاتان الحالتان تضيئان على واقع واحد: أزمة نموذج استراتيجي، وليس مجرد ضعف موقت لمجموعة معينة.

الحرب غير المباشرة كبديل للدولة

يُشكّل “محور الممانعة” وفق منطق معروف في الأدبيات الاستراتيجية: الحرب بالوكالة (proxy warfare) والحرب غير المتكافئة الممتدّة. فغير القادرين على مواجهة إسرائيل وحلفائها بشكل مباشر في إطار دولة تقليدية، فضلوا:
– تكاثر الفاعلين المسلحين غير الدوليين،
– تجزئة الجبهات،
– استمرار الصراع على المدى الطويل،
– استبدال الميليشيا بالمؤسسة.
استلهم هذا النموذج من كل من الديانات الثورية (تصدير الإيديولوجيا) والحسابات الواقعية (خفض الكلفة العسكرية، النفي المعقول)، ووعد بإرهاق الخصم. لقد سمح فعليًّا ببقاء بعض الأنظمة وترسيخ الميليشيات، لكنّه أنتج أيضًا أثرًا موثّقًا: إضعاف الدولة المضيفة بشكل مزمن، حتى شبه انحلالها.

طهران: المركز الإيديولوجي أمام حدودها الداخلية

إيران هي قلب النظام. من دون طهران، لا وجود للمحور ولا للتماسك الاستراتيجي. لكن الاحتجاجات الحالية تكشف عن تناقض بنيوي: إسقاط القوة الخارجية تمّ على حساب الاستثمارات الداخلية.

على الصعيد العقائدي، عوّضت الجمهورية الإسلامية لفترة طويلة صعوبات الاقتصاد بشرعية ثورية وخطاب مقاوم، لكنها تتآكل اليوم بفعل:
– التضخم المزمن،
– تدهور العملة،
– شباب غالبية ديموغرافية غير متماشية سياسيًا،
– إدراك متزايد لتكلفة الالتزامات الخارجية داخليًا.
الأزمة الإيرانية ليست ظرفيةً، بل تعكس تآكل قدرة الدولة على التحصيل وإعادة التوزيع، ممّا يجعل تمويل الشبكات المسلحة الإقليمية أكثر كلفة، وبالتالي يضعف المحور بأكمله.

كاراكاس: عرقلة بلا عمق استراتيجي

يمثل فنزويلا نموذجًا آخر لأزمة النموذج المعارض. على عكس إيران، لم يعد لدى نظام كاراكاس عقيدة إيديولوجية واضحة. الخطاب المعادي للإمبريالية، الذي كان مُحفّزًا يومًا، لم يعد يُخفي الانهيار المؤسسي، والنزوح الجماعي، والفوضى الاقتصادية.

الضربات الأميركية تُفهم كعرض لإهدار القيمة الاستراتيجية: لم يعد النّظام يُنظر إليه كشريك محتمل للتفاوض، بل كمشكلة يجب احتواؤها. بذلك، تُظهر فنزويلا شكلًا متطرّفًا من الدولة الفاشلة المسلّحة، حيث تعتمد بقاء السلطة على القسر فقط، من دون مشروع سياسي للخروج.

هوامش المحور: التشبّع، التجزئة، والرفض الاجتماعي

لبنان: الميليشيا مقابل السيادة
الجيش اللبناني، أو حزب الله، مثال على دمج ميليشيا مسلحة في قلب النظام السياسي. على الرغم من مزجه بين الحزب، الجهاز الاجتماعي، والقوة العسكرية، فإنّه في الحقيقة عرقل الدولة بفرض سلطة مسلحة موازية تقيّد أي قرار سيادي. الانهيار الاقتصادي كشف هذا الانحراف، إذ عزّز حزب الله اقتصادًا موازيًا قائمًا على النقد والتداولات غير الرسمية، ممّا فاقم التجزئة وعرقل إعادة بناء الدولة. في هذا السياق، لم تعد مسألة السلاح إيديولوجية بل وظيفيّة: فجزء متزايد من المجتمع يرى أنّ العسكرة الدائمة تعرّض لبنان للأزمات وتحجب المساعدات الدولية.

سوريا: النصر العسكري بلا دولة
نجا النظام السوري بدعم المحور، لكن بثمن تدمير مؤسسات الدولة. سوريا اليوم نموذج لدولة اسمية، حيث السيادة الفعلية مجزّأة وتعتمد على جهات خارجية. الانتصار عسكري، لكنّ الهزيمة مؤسّسية واجتماعية.

اليمن: الحرب كطريقة حكم
الحوثيّون يُجسدون مأزق الحرب المستمرة. السيطرة على الأرض لم تتحوّل إلى حكم قابل للاستدامة، والتجزئة تفاقمت. وصفها علماء السياسة بـ”اقتصاد الحرب”، حيث يصبح استمرار الصراع عقلانيًّا للميليشيات، لكن كارثيًّا للمجتمع.

غزّة: عسكرة القضية الوطنية
حماس تُبرز الحدّ الأقصى لنموذج الميليشيا: عسكرة القضية الفلسطينية زادت القدرة على الإيذاء لكنّها أضعفت القدرة السياسية. العنف أصبح بديلًا عن الاستراتيجية: لا ردع حقيقي، ولا تحرير، ولا تحسين حياة، بل عزلة دبلوماسية وكارثة إنسانية.

العراق: الدولة المحتجزة بالميليشيات
العراق مثال على استحواذ الميليشيات على الدولة منذ سقوط صدام حسين. اندماجها الجزئي في المؤسّسات الرسمية ساهم في إضعاف السلطة المركزية، تعطيل الإصلاحات، تحويل الموارد العامة، وإذكاء عدم الاستقرار المزمن.

فشل مشروع سياسي قائم على العنف
ما يظهر اليوم من طهران إلى كاراكاس، ومن بيروت إلى بغداد، ومن دمشق إلى غزّة، ليس مرحلة ضعف عابرة، بل فشل فكري وسياسي وأخلاقي لمشروع استراتيجي استبدل الميليشيا بالدولة، والمواجهة الدائمة بالحكم، والتدمير بالتقدم.
محور “الممانعة” لم يفشل لأنه تعرض لهجوم، بل لأنه فشل في إنتاج ما وعد به:
– زعم الدفاع عن الشعوب لكنّه أفقرها،
– زعم السيادة لكنه جزّأ الدول،
– وعد بالرّدع لكنه رسّخ عدم الاستقرار،
– دعا للسياسة لكنّه استبدلها بالقسر المسلح.

الحرب غير المباشرة، المقدمة كاستراتيجية متقدّمة، تبيّن أنها طريق مسدود. سمحت ببقاء بعض الأنظمة، لكنّها على حساب تدمير اجتماعي وشلل مؤسّسي تدفع المجتمعات ثمنه بالكامل. لم يخرج أي من مسارح سيطرة المحور — لبنان، سوريا، اليمن، غزّة، العراق — أكثر سيادةً أو استقرارًا أو ازدهارًا.

والأسوأ، أن قلب النظام الإيديولوجي يتفكّك. مع مطالبة المجتمعات بحقوقها وخدماتها وآفاقها الاقتصادية، يظهر خطاب “الممانعة” على حقيقته: ذريعة للفشل، وسرديّة لتغطية غياب مشروع للتنمية أو الإصلاح أو السلام.

التاريخ الاستراتيجي واضح: الأنظمة المبنيّة على عسكرة السياسة تحكم في النهاية ليس بقدرتها على الإيذاء، بل بعجزها عن البناء.

في هذه المرحلة، محور “الممانعة” لا يقدّم لا نصرًا، ولا مستقبلًا، بل فقط استمرار صراع يعتمد عليه للبقاء.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا